الخبير العسكري والأمني العميد “م”جمال الشهيد في حوار مع الكرامة :
انضمام النور قبة للجيش سيضرب عمق التمرّد
الخطوة تعكس تشقّقات داخل بنية المليشيا الأصلية
القادة لا يغيّرون مواقعهم إلا إذا اختل الميزان
متوقع انشقاقات متتالية في هذه الحالة (..)
الخطوة ستضعف التمرد وتعزّز قُدرة الجيش عملياتياً ومعلوماتياً
تراجع الفاعلية وتآكل الحاضنة الاجتماعية أبرز الدوافع
في الحروب، لا تُقاس التحولات بعدد الطلقات، بل بعدد الذين يغيرون مواقعهم في لحظة الحقيقة ،وحين يخرج قائد ميداني من قلب التشكيل المعادي المسلح لينضم إلى صف الدولة، فإن المشهد يتجاوز حدود “انشقاق” عابر، ليقترب من كونه إعلاناً صامتاً عن تصدّع عميق في بنية الصراع ، انضمام القائد بالمليشيا النور قبة إلى القوات المسلحة في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن سياق أوسع يعاد فيه تشكيل ميزان القوة، وتُختبر فيه صلابة المشاريع المتقابلة على الأرض فهل نحن أمام بداية تفكك داخلي متسارع، أم أمام موجة إعادة اصطفاف نحو الشرعية ، في هذا الحوار، يقدّم العميد د. جمال الشهيد قراءة استراتيجية تفكك أبعاد الخطوة، وتربط بين الميدان والسياسة، وبين القرار الفردي ومآلات الحرب طالعوا التفاصيل:
حوار – لينا هاشم
كيف تنظرون لانضمام القائد بمليشيا الدعم السريع النور قبة للقوات المسلحة في هذا التوقيت؟
أرى أن هذا التحول يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد مسارح العمليات تغيراً تدريجياً في موازين القوة لصالح الجيش ، نحن لا نتحدّث عن خطوة فردية معزولة، بل عن مؤشر يعكس بداية تشقّقات داخل بنية الميليشيا الأصلية حيث يعتبر اللواء النور القبة من القادة المؤسسين لقوات الحدود وهي النواة الأساسية لمليشيا الدعم السريع ولديه ثقل كبير ، بل يعتبر ذلك بمثابه اعادة تموضع نحو مركز الشرعية.
وفي تقديري، الدوافع هنا مركبة، تبدأ من تراجع الفاعلية العملياتية، مروراً بتآكل الحاضنة الاجتماعية، وصولاً إلى إدراك متزايد بأن المعركة تتجه نحو تثبيت شرعية الدولة ومؤسساتها.
إلى أي مدى كانت الانتهاكات ضد المدنيين دافعاً رئيسياً لهذا الانسلاخ؟
أعتقد أن الانتهاكات شكّلت نقطة تحول حاسمة في حسابات العديد من القادة ، لم تعد المسألة أخلاقية فقط، بل أصبحت مرتبطة بحسابات الكلفة والنتيجة ، تصاعد الانتهاكات خلق ضغطاً داخلياً كبيراً، وقلّص هامش المناورة، خاصة في البيئات المرتبطة بنسيج اجتماعي حساس. لذلك أرى أن الانسلاخ هو محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن تبعات قانونية وأخلاقية قد تكون أكثر كلفة في المستقبل ، وفيما أرى انً انحياز النور القبة يأتي كنتاج طبيعي لتعدّي وهجوم مليشيا الدعم السريع لمنطقة مستريحة واستباحتها الشي الذي اغضب الكثيرين .
هل بدأت دعوات وحدة الصف الوطني التي أطلقتها القوات المسلحة تؤتي ثمارها؟
نعم، أرى بوضوح أن هذه الدعوات بدأت تتحوّل من مجرّد خطاب سياسي إلى واقع ميداني ملموس ، انضمام قادة ميدانيين يعكس نجاح استراتيجية تفكيك الخصم من الداخل، وهي مقاربة ذكية تقوم على استقطاب العناصر القابلة للاندماج ضمن مشروع الدولة، بدلاً من الاعتماد فقط على المواجهة العسكرية.
كيف تقيم تأثير خطاب الكراهية والتقسيم الجهوي داخل المليشيا؟
أرى أن خطاب الكراهية كان عاملاً مدمراً للتماسك الداخلي في المليشيا، بدلاً من توحيد الصف، عمّق الانقسامات وأضعف الانضباط القيادي ، مع تصاعد النزعات الجهوية، بدأ بعض القادة يشعرون بأنهم جزء من مشروع هش يفتقر إلى رؤية وطنية جامعة، وهذا ما دفعهم للبحث عن بدائل أكثر استقراراً.
هل يعكس هذا الانضمام اعترافاً بضعف الموقف العملياتي للمليشيا؟
في تقديري، نعم. القادة الميدانيون لا يغيرون مواقعهم في لحظات القوة، بل عند استشعار اختلال في ميزان المعركة ، هذا التحول يعكس قراءة واقعية لمآلات الصراع، ويشير إلى تراجع القدرة على الاحتفاظ بالمناطق أو إدارتها بكفاءة.
ما هو الوزن العسكري المتوقع لهذا الانضمام؟
أرى أن الأثر الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد المقاتلين، بل بنوعية الخبرة والمعلومات التي يحملها القائد ، المعرفة الدقيقة بخطوط الإمداد، ونقاط الضعف، وأنماط التحرك تمثّل قيمة استراتيجية عالية، وقد تحدث فارقاً حقيقياً في مسار العمليات.
هل تتوقع انشقاقات متتالية؟
أرجح ذلك، خاصة إذا توفرت ضمانات حقيقية وآليات واضحة لاستيعاب المنضمين ، في مثل هذه الحالات، يبدأ ما يمكن وصفه بتأثير “الدومينو”، حيث تتحول الحالات الفردية إلى ظاهرة متسعة.
كيف سيؤثر هذا القرار على صورة المليشيا وسط مكوناتها الاجتماعية؟
هذا النوع من الانشقاقات يضرب في العمق صورة المليشيا، خاصة عندما يأتي من داخل نفس الحاضنة الاجتماعية وهذا يعزّز حالة الشك داخل القواعد، ويضعف القدرة على الاستمرار والتجنيد.
هل تمثل العودة للجيش حماية للمجتمعات المحلية؟
أعتقد أن العودة إلى المؤسسة العسكرية تسهم في تقليل حالة الانفلات، وتعزّز فرص حماية المدنيين ، وجود قوة نظامية منضبطة يظل أكثر قدرة على فرض الاستقرار مقارنة بتعدد المراكز المسلحة.
ما هي أبرز التحديات التي قد تواجه القوات المسلحة في عملية الدمج؟
أرى أن التحدي الأكبر يتمثل في إعادة التأهيل وضمان الولاء المؤسسي، إلى جانب التحقق الأمني ومنع الاختراقات ، كذلك هناك حاجة لإدارة حساسية العلاقة بين القوات النظامية والعناصر المنضمة، وهذا يتطلب قيادة حازمة ورؤية دقيقة.
هل سيسرع هذا الانضمام من وتيرة الحسم العسكري؟
مثل هذه الخطوات تسهم في تسريع الحسم، ولكن بشكل تراكمي وليس فورياً ، هي تضعف الخصم تدريجياً، وتعزّز قدرات الجيش على المستويين المعلوماتي والعملياتي، ما يقود في النهاية إلى ترجيح كفة الحسم العسكري.
هل ترون أن المشهد اقترب من النهاية ؟
ما جرى ليس مجرد انتقال فردي، بل إشارة أولى على تحولات أعمق قد تعيد رسم خريطة الصراع خلال المرحلة القادمة، فالحروب لا تُحسم فقط عبر المواجهات المباشرة، بل أيضاً عبر تفكيك البنية الداخلية للعدو ، وإعادة توجيه مراكزه البشرية نحو مشروع الدولة.
إذا استمرت هذه التحولات بوتيرتها الحالية، فإننا قد نكون أمام لحظة فاصلة تنتقل فيها المعركة من مرحلة الاستنزاف إلى مرحلة الحسم التدريجي ،وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال من يسيطر على الأرض فقط، بل من ينجح في كسب العقول وإعادة تعريف الولاء.
ومن هنا، أرى أن كل خطوة من هذا النوع تقرّب المشهد من نهايته… حيث لا يبقى في الميدان إلا مشروع واحد قادر على البقاء ،وهو مشروع الدولة.





