حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
زراعة وزراعة
(1)
ابن خالتي سليمان عبد الله ابراهيم الشهير ببارودي حكي لي كيف أن الدعامة شفشفوا غنيماته التي تجود باللبن لأطفاله …وكيف أنه استغل غياب الأنعام فقام بتوزيع حوشه الوسيع إلى أحواض… فزرع الجرجير والرجلة والملوخية والبامية والطماطم … وهو هذه الأيام في بحبوحة من الخضروات وآخر فيتامين سي …فقلت له سبحان الله أهلنا زمان قالوا (أكان ما دبّر ما ودر)… أي أن الله عز وجل هو مدبّر الأمر ..فهو لا يأخذ منك شي إلا ويعطيك بديله …بل يجهّز لك البديل قبل الأخذ وأنت لا تدري …لذلك لابد من الرضاء بما أراد .. قلت لسليمان إن شاء الله وفي القريب العاجل تكون عندك غنم جديدة .. فكان الرد …الحمد لله الاولاد ذهبوا للذهب … واحد في الحدود المصرية والثاني في الشمالية ..في الفترة الماضية كانوا ماسكين البيت… وما قصّروا ابدا …. لكن الآن الشغل فتح …. واستانف سليمان عمله السابق …يعني في إمكانية شراء أغنام جديدة …وهنا يسأل سليمان عن كيفية تعايش الأغنام مع الخضروات في نفس الحوش … فالمعروف عن الأغنام أنها انها دائمة العدوان على كل ماهو أخضر … هنا تذكرت الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة عندما قرّر تحويل تونس الي جنة خضراء … حيث قام بابادة كل الاغنام …قلت لسليمان ياخي ما مشكلة أعمل للغنم حظيرة منفردة وبرضو ممكن تسور أحواض الخضروات بالشوك …ياخي الحوش بتاعك واسع بشوية تنظيم ممكن يشيل الحاجات دي كلها. بس نحن ناس ممحوقين …هنا تذكرت دومة ود حامد لكاتبنا المفخرة الطيب صالح … حيث أوضح أن مرسى البابور والضريح ومجلس الأهل … ممكن تكون كلها في مكان واحد ..فإن كان هناك ثمة ضيق فهو في النفوس ….وليس في المساحة الأرضية .
(2)
قصة ود الخالة سليمان بارودي عادت بي إلى عدة قضايا… ولعل أولها حيوية المجتمع القروي وقدراته على مجابهة التحديات ..فهو بسرعة استطاع أن يجبر الأضرار التي خلّفها عدوان مليشيا الدعم السريع …فالطبيعة عنده لا تعرف الفراغ …حدث فقدان للأغنام فحلت محلها الخضروات… وفي كل خير ..وهناك إمكانية لعودة الأغنام لابل ويمكن أن تستفيد الاغنام من مخلّفات الزرع …فالعشب الذي ينمو مع الخضار يمكن أن يخصّص لها…. وإذا شاخت أي من الخضروات لأي سبب من الأسباب يمكن تستفيد منها الأغنام …وهكذا فجّر العدوان طاقة جديدة وفتح فرصة جديدة ..
الأهم في قصة سليمان بارودي هو أن أهلنا في الجزيرة قد عرفوا الزراعة المنزلية… إذ تأكد لي أن سليمان نقل التجربة من غيره وأن هناك من قلّد سليمان… فالظاهرة أصبحت منتشرة بعد الحرب …علمت أنه في بعض القرى المجاورة اتجه الناس لتربية الدواجن ..لتعويض ما فقده السوق منها بسبب اعتداء الدعامة على المزارع المتخصّصة في تربية الدواجن ..وهكذا بدأت البيوت تتحوّل إلى خلايا إنتاجية بعد أن كانت وحدات استهلاكية بحتة …
الزراعة المنزلية في مدينة حوهانسبيرج وصلت قيمة منتجاتها الي سبعة عشر مليار دولار سنوياً …لقد شاهدنا في القاهرة الناس تضع التربة (القريرة) في الأحواض البلاستيكية …وتضعها في البلكونات وتزرع فيها الخضروات …نحن في السودان لدينا إمكانيات واسعة للزراعة المنزلية في القرى والحضر وبصورة لا مثيل لها في العالم ….والآمر هنا لا يحتاج لدرس عصر ولا يتناطح فيه كبشين فهو معلوم ومؤكد …الحيشان وسيعة والماء متوفّر والشمس ساطعة ..فقط تنقصنا الثقافة والعزيمة ..والحمد لله بدأت الآن الثقافة الزراعية المنزلية والإرادة تتوفر… فالدنيا بدأت تعلمنا والتجارب المريرة منها والعادية بدأت تعطي دروسها …وهكذا الإنسان كل يوم هو في حالة جديدة وعلم جديد..
(3)
لابد من العمل على إشاعة ثقافة الزراعة المنزلية… ولابد من أن يقتنع السودانيين بأن منازلهم يمكن أن تنتج خُضراً وفاكهة والبان ….مثلما تنتج حقولهم قمحاً ووعداً وتمني …الزراعة المنزلية كوم ….والزراعة الحقلية كوم آخر …وليس بينهما تعارض… ولا يغنى واحد منهما عن الآخر ..ولكل واحد منهما ميدانه ومنتجيه ..ولكنهما في النهاية يصبان في جراب واحد… وهو جراب السودان الأخضر الواعد … فاجعلوا بيوتكم خلايا إنتاجية …حتى تذهب عنها الأكدار والأحزان …ثلاثة يذهبن الحزن …الخضرة والماء والوجه الحسن… ويلا ازرعوا الخضروات وربوا المعيز والدواجن في بيوتكم .. عوضوا النقص … كافحوا الفقر …انشدوا الرفاهية ….ويلا بحبحوا كلكم …وعن حبيبتي بقول لكم لون سمرته منكم.






