كمال حامد يكتب ل”الكرامة”
الهلال والمريخ.. تاريخ من المنافسة ووفاق لم يكتمل
مجنون من يقترح مباراة قمة تجريبية!
اتفاق الطيب عبد الله ومهدي الفكي لم يصمد طويلاً
(…) هذه قصة معسكر الفريقين المشترك في تونس
قد تبدو العبارة صادمة، لكنها تختصر جانباً من واقع العلاقة بين الهلال والمريخ، علاقة صنعت تاريخاً طويلاً من المنافسة، وعرفت أيضاً محاولات للوفاق، وحكايات لا تنتهي عن التعصب، والمواقف الطريفة، والفرص التي ضاعت.
يشارك الهلال والمريخ في البطولات الأفريقية منذ أكثر من ستة عقود، وتعود أول مشاركة سودانية إلى عام 1964. ومع ذلك، ظل الحضور السوداني في البطولات القارية أقل كثيراً من قيمة الناديين وتاريخهما. لم يحصد السودان سوى لقب قاري واحد، عندما توج المريخ بكأس الكؤوس الأفريقية «كأس مانديلا» عام 1989 على حساب بندل يونايتد النيجيري.
أما الهلال، فوصل إلى نهائي البطولة الأفريقية للأندية مرتين؛ خسر أمام الأهلي المصري عام 1987، وأمام الوداد المغربي عام 1992، بينما خسر المريخ نهائي كأس الاتحاد الأفريقي أمام الصفاقسي التونسي عام 2002.
وقد تحسن حضور الفريقين في فترات مختلفة، ووصلا إلى مراحل متقدمة، لكن الفارق ظل واضحاً بينهما وبين أندية القارة التي نجحت في بناء مشاريع أكثر استقراراً على مستوى الإدارة والأجهزة الفنية واللاعبين.
اليوم، يدخل الكبيران موسماً أفريقياً جديداً في ظروف استثنائية. هناك إنفاق على المحترفين، ومعسكرات وإعداد، وطموحات كبيرة، لكن الحرب فرضت على الفريقين خوض مبارياتهما بعيداً عن السودان، واختيار ملاعب لا تمثل أرضهما الحقيقية.
وأتعجب من عدم اختيار مصر أو ليبيا لاستضافة مبارياتهما، فهناك جمهور سوداني كبير في البلدين، وربما كانت الظروف السياسية الصعبة سبباً إضافياً في زيادة ارتباط السودانيين بفرقهم ووطنهم.
كنت قد علقت خلال الأسبوعين الماضيين بصورة بدت متشائمة من قدرة أحد الفريقين على تحقيق بطولة هذا الموسم، ولي أسبابي.
المريخ، وباعتراف إدارته، يعيش مرحلة تجديد دماء ومحاولة تجاوز سنوات من عدم الاستقرار الإداري. وهناك فرق بين أن تعمل لبناء فريق للمستقبل، وبين أن تضع بطولة قارية قريبة هدفاً مباشراً. أتمنى للمريخ موسماً أفضل، لكنني أرى أن البناء يحتاج إلى وقت.
الهلال يبدو في وضع أفضل، فقد أفادته مشاركاته الأخيرة ورفعت خبرته وروح لاعبيه المعنوية. لكن «الحلو ما بيكملش»؛ فقد تعرض الجهاز الفني لتغييرات متلاحقة أرى أنها لم تكن موفقة. بدأ الإعداد مع المدرب الأفريقي فلان، ثم جاء التغيير، قبل أن تتوالى القرارات الفنية، ومنها رحيل جوزيف زينباور والاستغناء عن خالد بخيت، ثم تعيين غاي بوكاسا لفترة قصيرة، قبل التعاقد مع الألماني جوزيف زينباور قبل أيام من بداية المنافسة الأفريقية.
كل هذه التغييرات تجعل المسؤولية كبيرة، وإذا حدث للهلال مكروه، لا قدر الله، فلن يكون من الصعب البحث عن الأسباب.
مباراة قمة.. ولماذا لا؟
قرأت تعليقاً طريفاً يقترح إقامة مباراة تجريبية بين الهلال والمريخ، طالما أن الفريقين موجودان في كيغالي.
الاقتراح، من الناحية الفنية، عين العقل. لكن من يقنع المتعصبين من الإداريين والمشجعين والإعلاميين؟ فهناك من يتعامل مع مباراة كهذه وكأنها نهاية الدنيا!
ولدي تجربتان شخصيتان تؤكدان ذلك.
الأولى في السعودية مطلع ثمانينيات القرن الماضي، عندما كنا في رابطة الجالية السودانية بالرياض نطرح مشروعاً أطلقنا عليه «السودان في قلوبنا»، ضمن حملات وطنية لدعم الاقتصاد السوداني.
رحب الأمير فيصل بن فهد، رحمه الله، بالفكرة، ووجه بتحمل النفقات التي تساعد على تحقيق العائد المستهدف، وعندما وصلت البعثتان، نقلنا إليهما مقترح إقامة مباراة قمة.
أحيي هنا رئيسي البعثتين، المهندس عبد الله السماني والمرحوم الفاتح المقبول، لموافقتهما على الفكرة. نشرت الخبر في الصحف السعودية، ونقلته الصحافة الرياضية السودانية، وكنت متحمساً إلى درجة أنني اقترحت إقامة أكثر من مباراة في الرياض وجدة والدمام.
لكنني لمحت في وجهي الرجلين ابتسامة وضحكة مكتومة؛ فقد كانت التوجيهات قد وصلت من إدارتي الناديين برفض الفكرة جملة وتفصيلاً!.
قمة مؤجلة في تونس
التجربة الثانية كانت في تونس. وبحكم عملي في اتحاد إذاعات الدول العربية وزياراتي المتكررة لتونس، طلب مني رئيس نادي المريخ جمال الوالي البحث عن معسكر للفريق هناك.
اتصلت بالكابتن الكبير طارق ذياب، وزير الشباب والرياضة التونسي آنذاك، وكانت بيننا صداقة وجيرة في جدة خلال فترة احترافه بالأهلي السعودي، فرحب بالفكرة.
دعاني إلى اجتماع في مكتبه بالوزارة، بحضور السيد فخري اليعيش، المتخصص في معسكرات الترجي التونسي. واتفقنا على إقامة معسكر المريخ في عين دراهم، مع عرض مالي مميز.
وعندما علمت بوصول إداري الكرة بالهلال عاطف النور برفقة الكابتن علاء الدين يوسف إلى تونس، أبلغته بالمعسكر والعرض، فاتصل بإدارة الهلال، التي لم تكن تخطط لمعسكر في تونس، ووافقت.
وصلت بعثة المريخ، وبعدها بيومين وصلت بعثة الهلال. وهكذا أصبح الفريقان في فندق واحد؛ المريخ في طابق والهلال في طابق آخر، وصالة الطعام واحدة، وجلسات الأنس تجمع الجميع.
كنت أسعد الناس بهذا المشهد، حتى إنني شاركت في التدريبات والرياضة، وخسرت بعض الوزن وتحسنت صحتي!.
وسأظل أتذكر وأعتز بمساهمتي في إقامة ذلك المعسكر المشترك، وأحتفظ بما يؤكد هذه الواقعة، رغم أن بعض الزملاء الإعلاميين لم يشيروا إليها، كما لم يشيروا إلى دوري في تأسيس روابط الهلال والمريخ والموردة بجدة، وهو أمر أعتز به أيضاً.
«السماء أقرب»!
كنت أشارك أحياناً المدربين الكبيرين الألماني كروجر والبرازيلي هيرون جلساتهما المسائية، فوجدتها فرصة لاقتراح مباراة قمة بين الفريقين.
رحبا بالفكرة سريعاً، وبدأا في التفكير في فوائدها الفنية، ثم استغربا عندما سألت: هل ستوافق إدارتا الناديين؟
كان استغرابهما منطقياً؛ فهذه مسألة فنية مفيدة، وليست قضية إدارية.
لكنني كنت أخشى من رفض الإدارتين، وقد حدث ما توقعت.
توالت المكالمات من السودان رافضة، بل ومهددة بإقامة المباراة. وعندما سألت عاطف النور والعقيد صديق علي صالح عما وصلهما، كانت الإجابة التي نقلها لي الاثنان تحمل العبارة الطريفة المخيفة في آن واحد:
«السماء قريب»!
أي أنها أقرب من مباراة قمة في معسكر مشترك!
رحم الله الطيب عبد الله ومهدي الفكي، فقد كانا من أصحاب المحاولات الجادة لتقريب المسافات بين الناديين حيث وقعا اتفاقاً للوفاق تضمن إقامة مباراة شهرية تنعش خزينتي الناديين، واجتماعات دورية، ودعوة فرق خارجية، وعدم التقاطع في تسجيل لاعب يرغب فيه النادي الآخر، وغير ذلك.
لكن الوفاق لم يصمد طويلاً، وسرعان ما انقض عليه المتعصبون من الطرفين.
وحين سألت عمنا المرحوم عبد الرحمن شاخور عن رأيه في الوفاق، أجاب ضاحكاً:
«وفاق؟ وفاق شنو؟ قلت ليهم وفاقكم ده كورنر واحدة تفرتقه»!
ومن طرائف شاخور أيضاً قصته مع الرئيس الراحل جعفر نميري، صديقه وقريبه وجاره في ود نوباوي.
طلب منه شاخور مبلغ مئة ألف جنيه لإكمال مسجد نادي المريخ. فرد نميري بأن المبلغ سهل وموجود، لكنه سأله:
«بعد إكمال المسجد والمئذنة، ماذا ستضعون عليها؟»
فهم شاخور السؤال سريعاً، ورد:
«والله عشان خاطرك يا ريس سنضع عليها صقر الجديان»!
وللعم شاخور ولرئيس نادي النصر السعودي الراحل الأمير عبد الرحمن بن سعود حكايات طريفة أخرى مع الهلال، ربما أعود إليها في مناسبة قادمة.
تقاسيم
كل الدماء السودانية تشكو إلى الله من الإقصاء، وكلها تقول لنا إن التعصب السياسي لا يصنع وطناً مستقراً.
منذ أحداث مارس 1954، مروراً بانقلاب مايو 1969 وأحداث ود نوباوي والجزيرة أبا، ثم انقلاب يوليو 1971 وما صاحبه من إعدامات، وانقلاب الإنقاذ في يونيو 1989، وصولاً إلى الحرب الحالية، ظلت فكرة الإقصاء حاضرة في المشهد السوداني بصورة أو بأخرى.
والسؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه: متى نتعلم؟
متى ندرك أن السودان أكبر من الأحزاب، وأكبر من الأشخاص، وأكبر من انتصار مجموعة على أخرى؟
لا سبيل أمامنا إلا إنهاء الحرب، ثم فترة انتقالية قصيرة، تفضي إلى انتخابات حرة يعرف فيها كل تيار سياسي حجمه الحقيقي، وإلى دستور يتوافق عليه السودانيون، مع استعداد الجميع لتقديم التنازلات.
وإلا ستضيع البلاد، ونضيع معها.
تقاسيم أخرى
إعلان حلف مكة المكرمة بين السعودية وباكستان وتركيا خطوة مهمة في توقيتها، وفتح الباب أمام دول أخرى، ومنها مصر، يمكن أن يجعلها إطاراً إقليمياً أوسع للتعاون.
وترحمنا الذاكرة على الملك فيصل بن عبد العزيز، الذي دعا في وقت سابق إلى خطوة مماثلة، لكنها اصطدمت يومها بالحسابات السياسية والحملات الإعلامية التي ربطتها بالاستعمار. كنا صغاراً نهتف: «لا أحلاف ولا استعمار»، بينما أثبتت السنوات أن الاستعمار يمكن أن يعود بأشكال أخرى، وأن الانقسامات الداخلية قد تكون أخطر أدواته.
وفي السياسة الأمريكية، تتغير المواقف بسرعة، وتتراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب بحسب استطلاعات الرأي، بينما تتبدل حسابات واشنطن في ملفات الشرق الأوسط من التصعيد إلى التفاوض متى اقتضت المصالح ذلك.
وفي السودان، يترقب يوم الاثنين اجتماع مجموعة التنسيق السوداني السعودي، لبحث مشروعات استثمارية في عدد من المجالات، وقد استهل السفير السعودي الجديد مهمته في الخرطوم برسالة متفائلة عن مستقبل السودان وإمكانات الطفرة التنموية المنتظرة.
خصصنا مقال هذا الأسبوع للرياضة، وبالتركيز على ناديي القمة الهلال والمريخ، وفي الأسبوع المقبل، إن شاء الله، نستعرض جوانب رياضية أخرى، من بينها مشاركة هلال بورتسودان وأهلي مدني في بطولة كأس الكونفدرالية الأفريقية.
قد نلتقي الأسبوع القادم، إن كان في البدن صحة وفي العمر بقية.






