سوبرانو
احمد دندش
ضيعني ساكن (الموردة).!
عبقرية شعراء السودان ، كانت تتجلى قديما في (الخيال اللا محدود) الذى كان يتمتعون به، فذلك العنصر الإبداعي مكنهم من القفز فوق الحصار المجتمعي المضروب على المحبوبة في وقت مضى، وجعلهم ينظمون قصائدهم وفق (تخيلات) ليس إلا، الامر الذى رفع معدل جودة وديمومة القصيدة وجعلها تقاوم لتعيش اكثر من خمسون عاماً او مايزيد، ذلك الامر الذى دفع ببعض المهتمين بالشعر في السودان لإطلاق مسمى (الجيل الذهبي) على اولئك الشعراء.
بالمقابل إبداع الشعراء السودانيين في الفترة منذ الاربعينات وحتى الثمانينات، لم يقتصر على وصف المحبوبة فقط، بل اشتملت العديد من الاشعار على مفردات جديدة وعلى اساليب جديدة كذلك في تناول العديد من الاشياء التى تهم المواطن السوداني، لذلك لم يكن بمستغرب ان يفرد عدد كبير من الشعراء المساحات لوصف البلاد ومناطقها المختلفة وحتى احيائها الشعبية و(الارستقراطية) كذلك، فظهرت مجموعة من الاغنيات التى تخللتها اوصاف لبعض الاحياء والمناطق السودانية، الامر الذى اعتبر في ذلك الوقت (تمرداً) جديداً على الاغنية السودانية والتى كانت تدور في فلك المحبوبة والفراق وتفاصيل مابعد العلاقات العاطفية.!
من اروع ابيات الشعر التى داعبت الاحياء والمناطق في السودان، كانت تلك الابيات التى اطلقها الشاعر خالد ابو الروس في وصف جزيرة توتي حيث قال ضمن اغنية ابراهيم الكاشف الشهيرة (المقرن مع الصباح): (شوف توتي يالمحبوب بدت…كالطفلة باكية تنهدت)، هذا البيت الشعري الذى اجمع النقاد والمهتمين بالشعر على انه احد الابيات الشعرية (الاستثنائية)، وبالمقابل لم تخلو موسوعة (الجاغريو) الشعرية من تناول بعض الاحياء والمناطق، ولعل من اشهر الاغنيات التى صاغها (الجاغريو) كانت (سميري) والتى ادرج خلالها اسم حي (الخرطوم 3) قائلاً: (أنظر شوف حلاتا…الظهرت بي غلاتا…الناعسات كاحلاتا…أنا دستوري نازل…في الخرطوم تلاتة).!
وبعيداً من (دستور) الجاغريو وقريباً جداً من (لوبيا) الجريف التى صاغها شعراً الصادق الياس ورددها المعتق الراحل الجابري، نجد عشرات العناصر الابداعية التى مزجت مابين هذي وتلك، والياس يردد في قصيدته الشهيرة (الجريف واللوبيا): (عندى شوق لى نيلنا…والاهل والطيبة…الجريف واللوبيا…وباقى ذكرى حبيبة…غشة الصفصاف…القايمة عاملة الزريبة…هو المغطى القيف…فوقو روعة عجيبة)، اما الشاعر الكبير عبد الرحمن الريح فقد مارس بدوره انحيازاً كبيراً لاحياء ومناطق امدرمان، ذلك الانحياز الذى وصفه البعض بـ(الايجابي) لأنه خلف العديد من الاغنيات والكلمات الجميلة في حق تلك المناطق، بينما يبدع عبد الرحمن الريح في قصيدة (لي في المسالمة غزال) وهو يقول: (لي في المسالمة غزال نافر بغني عليه…جاهل وقلبو قاسي وقلبي طائع ليهو…مصباح الظلام الربنا معليهو…زايد في الجمال نور الجمال جاليهو…لو شافو الغزال على نفرتو بواليهو…وإن شافو القمر أنوارو تخجل ليهو)…بينما يظل البيت الشعري الذى نظمه في حي الموردة الامدرماني هو الاشهر والاكثر ذيوعاً وهو يردد: (ماعندي مانع حتى لو ضيعني ساكن الموردة)، وذلك ضمن قصيدته الشهيرة (انا بيك سعادتي مؤكدة).
عدد من المهتمين والمتابعين لمسيرة الشعر والشعراء في السودان اكدوا ان اجمل الاوصاف التى نالتها الاحياء والمدن السودانية كانت في تلك الحقبة القديمة، والتى تميزت بدقة الوصف وبمزاجية التخيل المباحة، فيما يعتقد آخرون ان جيل الشعراء الحالي فشل تماماً في ملاحقة ذلك المد الابداعي من الوصف للاحياء، وظل يعتمد في انتاج قصائده التى تتغزل في المدن عبر (الاغنيات الدكاكينية) والتى لاتصلح للتوثيق التاريخي بقدر ماتصلح لـ(الرقص) داخل صالات الاعراس والمناسبات.
/






