خارج النص يوسف عبدالمنان: مسيرات أبوجبيهة

خارج النص
يوسف عبدالمنان:
مسيرات أبوجبيهة

لليوم الثالث على التوالي دخلت مسيرات دولة الإمارات العربية المتحدة خدمةَ الحرب في إقليم جبال النوبة. استُهدِفت المسيرات في اليوم الأول مدينةَ دلامي شرق الدلنج — وهي منطقة ذات كثافة سكانية عالية واستقرار نسبي بفضل أبناء دلامي من النوبة (الكاوالب).
ومنذ أمس الأول صوبت الحركةُ الشعبية ومليشياتُ الدعم السريع الطيرانَ المسير نحو مدينة أبوجبيهة، كبرى مدن المنطقة الشرقية من حيث الكثافة السكانية، وبها مقرُّ الفرقة العاشرة مشاه بعد انفصالها عن الفرقة الخامسة (الهجانة)، لكنها احتفظت بكيمياء وجينات مقاتلي الهجانة.

منذ اندلاع الحرب في إقليم جبال النوبة عام 1985 وحتى توقيع اتفاقية سويسرا عام 2003 ثم اتفاقية السلام الشامل، ثم عودة الحرب بعد انتخابات هارون الحلو فيما عُرفَ بـ«حرب الكتمة»، لم تشهد المنطقة دخولَ مثل هذا السلاح الذي يهدد حياة السكان. لقد نقضت الحركةُ الشعبيةُ اتفاقَها غيرَ المكتوب بوقف إطلاق النار في الإقليم — الاتفاقُ الذي التزمت به القواتُ المسلحة على أدنى مستوى — ولم تُستخدم أيُّ وسائل طيران في إقليم جبال النوبة، رغم الهجمات التي شَنَّتها الحركةُ الشعبية على مدنٍ مثل كادقلي والدلنج والكرقل ومناطق كيقا وشرق كادقلي. وظلت القواتُ المسلحةُ تحتفظ بمسافة بينها وبين الحركةِ الشعبية ولم تُهاجم أيَّ من معسكرات الحركة المكشوفة للطيران الحربي.
لكن مع دخول عبدالعزيز الحلو تحالفاً مع آل دقلو ومشاركةِ الحركةِ الشعبية في الحرب على إنسان الفاشر، أُدخلَ سلاحُ المسيرات إلى الإقليم، وتمت الاستعانةُ بمختصين أجانب وآخرين من عناصر المليشيا. وقد زودت الحركةُ الشعبية بعددٍ من المسيرات الصينية الرخيصة الثمن لتهديد حياة السكان وضرب استقرار المدن والقرى؛ بهدف فرضِ النزوح القسري على سكان جبال النوبة ومضاعفة معاناة الحصار الذي امتدَّ للعام الثالث على التوالي. ولا يلوح في الأفق حسمٌ عسكري قريب، خاصة مع دخول السلاح الجديد الذي حصلت عليه الحركةُ الشعبية؛ فالسلاحُ المسير لا يحسمُ المعركةَ على الأرض لكنه يحدّ من حركة المشاة ويعقِّد عمليات الصيف المرتقبة لحسم التمرد في ولايات كردفان الثلاثة.

ومع ذلك، فإن دخولَ سلاح المسيرات يفرِض واقعاً يجعل التعبئةَ العامة وإعلانَ الاستنفار لابناء المنطقة فرضَ عين، ويستدعي عودةَ قدامى الضباط للتخطيط والمساهمة في حشد الإرادة الشعبية لقهر التمرد. هذا التمرد نجح في إخراج إقليم جبال النوبة من دائرة الإنتاج وتعطيل الزراعة في مشاريع هبيلا وكرتالا، وإحالة ملايين الأفدنة التي كانت تغطي حاجةَ نصف سكان السودان من الذرة إلى أراضٍ لرعي الماشية إلى حالة تدهور. والآن تستهدف خطةُ المليشيا إفراغَ المدن من سكانها وممارسة القتل بالطيران المسير كما تعلَّموا ذلك في الفاشر، حيث عرفَت الحركةُ الشعبيةُ كيف تتم إبادةُ سكان المدن.

أمام القيادة العسكرية الآن — وليس غداً — تحريرُ الدبيبات وفتحُ طريق الأبيض–الدلنج، والقضاءُ على رأسِ الأفعى قبلَ أن تُحاصرَ الدلنج وكادقلي. خلال الأيام الماضية تم تطويق الدلنج من مناطق الفرشاية والسنجكاية بمدافع ١٢٠، استُهدِفَتْ بها الأحياءُ السكنية لإرغام الأهالي على النزوح. لكن بدأ يتبيّن أن حكومتنا مشغولةٌ بمعارك الصراع حول الذهب والمغانم على حساب النظر بعيداً نحو قهر التمرد الذي يتطلب صرفاً مالياً وتوفيرَ احتياجات القوات المسلحة. وإذا كان ٢٤ سفيراً من وزارة الخارجية يقيمون في فندق الضمان الاجتماعي — أغلى فنادق بورتسودان — على حساب الدولة التي مطالبة بادخار كل دولار لشراء السلاح ونحن نخوض حرباً وجودية، فذلك إهدارٌ للمال في رفاهيةٍ الفنادق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top