حدود المنطق إسماعيل جبريل تيسو كورال الكودة.. حينما يتحوّل الفن إلى وطن..

حدود المنطق
إسماعيل جبريل تيسو
كورال الكودة.. حينما يتحوّل الفن إلى وطن..

في زمنٍ أثقلته الحرب وأفرغته المنافي من الدفء، تبرز تجربة كورال مؤسسة د. أبوذر الكودة التعليمية بمصر بوصفها أكثر من نشاط فني أو مبادرة مدرسية، إنها محاولة واعية لإحياء ما تبقّى من الوجدان الوطني في نفوس السودانيين الممزقين بين جراح الداخل وشتات الخارج.، فالمبادرة التي وُلدت داخل مؤسسة تعليمية، سرعان ما تجاوزت حدود المدرسة لتصبح فضاءً عاماً للذاكرة الوطنية، ومتنفساً جمالياً تستعيد من خلاله الجالية السودانية في مصر صورة السودان الذي تُريد أن تتشبث به: السودان الذي ينهض بالغناء، لا بالرصاص.

ولا تكمن ميزة الكورال في جماليات الأداء فحسب، بل في كونها نموذجاً متقدماً للفن المنظّم الذي يزاوج بين الأصالة والتجديد. فالانضباط الصوتي، وتوزيع الأدوار، والاختيارات الشعرية الدقيقة، وتوظيف الصورة والإضاءة، كل هذه العناصر تضع الكورال في مستوى احترافي يحوّل الأغنية الوطنية إلى مشهد كامل، يلامس السمع والبصر والفؤاد والوجدان معاً، إننا أمام جهد فني يذكّرنا بأن الغناء ليس زينة في الهامش، بل هو صناعة للوعي، وإعادة تركيب للعاطفة الوطنية، ووسيلة مقاومة رمزية في وجه تشظّي اللحظة السودانية.

غير أن الجوهر العميق لتجربة كورال مؤسسة الكودة، يتجلّى في بعدها التربوي، فالكورال ليس مشروعاً ترفيهياً، بل درساً في الانضباط والالتزام والعمل الجماعي، حيث تُدار كل بروڤة بروح المدرسة القديمة: الانضباط قبل الأداء، والأخلاق قبل الإبداع، والمسؤولية قبل التصفيق، وبهذا المعاني يصبح الفن جزءً من العملية التعليمية نفسها، لا منفصلاً عنها؛ وسيلةً لبناء الإنسان، لا مجرد أداة للعرض والاحتفال، إن ربط التعليم بالفن، وتربية الذائقة قبل تدريب الحبال الصوتية، يعيد تعريف وظيفة المدرسة السودانية التي تعرّضت عبر العقود للتآكل والفراغ.

ويرى الخبير الموسيقي د. محمد آدم سليمان ترنين أن ما يقوم به كورال مؤسسة الكودة هو “إحياء حقيقي للوجدان الوطني وربط للأجيال الجديدة بتراثها الفني والثقافي”، فالأنشطة الفنية قديماً كانت جزءاً أساسياً من التعليم السوداني، تُحبّب الطلاب في المدرسة وتساعد على تنمية قدراتهم الفكرية والإبداعية. ويضيف د. ترنين أن الكورال يعيد الأرواح القديمة للمناشط المدرسية، ويُثبت أن الفنون “تمنح الطالب توازناً فكرياً ووجدانياً، وتجعله أكثر ارتباطاً ببيئته وهويته” كما أن اختيار الكورال لأعمال وطنية وتراثية مثل عازة في هواك وعرس الفداء، تمثل ربطاً عميقاً وذكياً معتبراً ما بين التعليم والتراث للتأكيد على أن الفن ما يزال وعاءً حياً للهوية السودانية، حتى في المنافي، إذاً المناشط الفنية ليست ترفاً، بل ضرورة لبناء جيل متوازن، وبالتالي فإن الفائدة العامة تتطلب تعميم التجربة على المدارس الحكومية قبل الخاصة.

وفي المحصلة، يتجاوز كورال مؤسسة د. أبوذر الكودة حدود الغناء ليصبح منصة لإعادة إنتاج الهوية السودانية في لحظة وطنية مرتبكة، إنه صوتٌ جماعي يذكّر السودانيين بأنهم قادرون على صناعة لحن موحد رغم الجراح، وأن الفن يمكن أن يكون وطناً رمزياً حين يغيب الوطن الحقيقي، ومدرسة في الوطنية حين يُعطّل التعليم، وذاكرة حين تتآكل الذاكرة، لذلك فإن هذه التجربة ليست فعلاً مدرسياً ولا ترفاً مغترباً، بل مساهمة صادقة في حماية ما تبقى من الوجدان السوداني، إنها رسالة بأن السودان يمكن أن يبدأ من أغنية، وأن الصوت الجماعي قادر دائماً على مقاومة الخراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top