هناك فرق مني أبوزيد التوثيق سيد الأدلة..!

هناك فرق
مني أبوزيد
التوثيق سيد الأدلة..!

*”الكاميرا لا تملك ضميراً، لكنها تحفظ ما فشل الضمير في حمايته”.. الكاتبة..!*

الرواية التاريخية المعتمدة التي بلغتنا عن تدمير قرطاج كتبها المؤرخون الرومان، بينما غابت الرواية القرطاجية، وقد أدى غياب التوثيق من طرف المهزوم إلى أن يكون التاريخ أحادي الصوت في تناوله لسقوط قرطاج، وربما منحازاً أيضاً، باعتبار أن توثيق الطرف المنتصر لم يكن أداة كشف بقدر ما كان أداة هيمنة..!

وتعد معركة كربلاء من أكثر المعارك جدلاً في التاريخ الإسلامي، فقد كان لنتائجها وتفاصيلها آثاراً سياسية وعقائدية، فهي من الوقائع التاريخية التي كان لها دور محوري في رسم ملامح العلاقة بين السنة والشيعة عبر التاريخ. ورغم قلة أهميتها من الناحية العسكرية إلا أن هذه المعركة قد تركت آثاراً سياسية وفكرية ودينية هامة، حتى اليوم. وعلى الرغم من الطابع العاطفي والديني لرواية مذبحة الحسين – رضي الله عنه – في كربلاء، وكثرة الروايات وتنوع مصادرها “سنية وشيعية”، إلا أن تواترها قد جعل الحدث نفسه راسخاً، فلم تنجح أي محاولة جادة لإنكار الواقعة، وهذا يدل على أن التراكم الروائي نفسه قد يصبح توثيقاً مقاوماً للنسيان..!

أما في العصر الحديث حين صار التوثيق كابوساً للمجرمين، فقد ثبت وقوع مذبحة سربرنيتسا التي ارتكبها جيش صرب البوسنة، رغم محاولات إنكارها، وذلك من خلال صور الأقمار الصناعية، المقابر الجماعية، والتسجيلات الصوتية، والنتيجة كانت إدانة دولية ومحاكمات جنائية. وتلك دلالة على أهمية دور التوثيق التقني الحديث في كسر سياسة الإنكار..!

وفي حرب فيتنام قلبت صورة واحدة لفتاة النابالم – الطفلة الفيتنامية التي اشتهرت عالمياً بصورة التقطت لها وهي تركض عارية مذعورة بعد إصابتها بحروق خطيرة جراء قصف نابالم أمريكي لقريتها – الرأي العام الأمريكي ضد الحرب. وبذلك تمكنت صورة واحدة موثقة من هزيمة خطاب دولة كاملة..!

وفي رواندا وصفت المجازر في البداية بأنها اشتباكات أهلية، لكن وقائع مثبتة مثل “شهادات الناجين لاحقاً، تسجيلات الإذاعات المحرضة، والمقابر الجماعية” أدت إلى الاعتراف بالإبادة الجماعية، فكان التوثيق المتأخر لتلك الحرب الأهلية أفضل من الصمت الدائم..!

أما في أوكرانيا فهنالك توثيق لحظي من خلال “الهواتف، الأقمار الصناعية، والبيانات الرقمية” سوف يجعل من الصعوبة بمكان إنكار بعض الجرائم، حتى قبل انتهاء الحرب. إذاً نحن اليوم أمام عصر تُحاكم فيه الجريمة وهي ما تزال ساخنة. فالحروب لا تُحسم فقط في الميدان، بل في الأرشيف، وما لا يُوثَّق يُنسى، وما يُنسى، يُعاد ارتكابه بلا خجل..!

لا يحتاج توثيق جرائم قوات الدعم السريع في حرب السودان إلى جهد استقصائي معقد، ولا إلى تسريبات نادرة، فجزء معتبر من هذا التوثيق صُنع بأيدي جنوده أنفسهم. كاميرات الهواتف المحمولة تحولت في هذه الحرب إلى شاهد دائم على القتل والنهب والإذلال، ليس بوصفها أداةً فضح خارجية، بل كجزء من الفعل ذاته. وعليه فإن السؤال هنا لا يتعلق بوجود الجرائم، بل بدلالة توثيقها من قبل مرتكبيها. لماذا يصور الجندي فعلاً يُفترض أن يُخفيه، ولماذا يُنشر العنف بلا مواربة، وأحياناً بنبرة احتفالية؟..!

الإجابة تكمن في بنية المليشيا نفسها. إذ في سياق تغيب فيه الدولة، وتنهار فيه منظومة القانون، لا يُنظر إلى الجريمة باعتبارها فعلاً مداناً، بل باعتبارها إثبات سيطرة، فالتوثيق هنا ليس اعترافاً، بل رسائل موجهة إلى المدنيين، والخصوم، والعناصر الأخرى داخل المليشيا..!
للمدنيين “هذا ما نملكه من قوة، وهذا ما يمكن أن يحدث بلا مساءلة”، وللخصوم “الرعب جزء من المعركة”، وللداخل “المشاركة في العنف معيار للولاء والانتماء”. وما يظهر في هذه المقاطع ليس مشاهد القتل والخراب فقط، بل هو خطاب سياسي مكتمل يرى في الخوف وسيلة حكم، وفي إذلال الآخر كسراً لإرادته الجماعية..!

لذلك تتكرر أنماط التوثيق “قتل مباشر، تمثيل بالجثث، سحل، نهب واستعراض للمسروقات، إحراق للبيوت والقرى، وإذلال للأسرى”، كما أن بعض هذه المقاطع لا يكتفي بتسجيل الفعل، بل يضيف إليه تعليقاً ساخراً أو استعراضاً لفظياً. وهذا السلوك يكشف عن تحول العنف من وسيلة إلى هوية، فالجندي لا يصور ما فعله فقط، بل يصور نفسه بوصفه فاعلاً مطلقاً لا يخشى عاقبة. وهذا السلوك يرتبط أيضاً بثقافة الإفلات من العقاب، حن يترسخ الاعتقاد بأن لا محاكم، ولا مساءلة، ولا ذاكرة دولية فاعلة، فتتحول الكاميرا من خطر إلى وسام، ويغدو التوثيق، جزءاً من اقتصاد الحرب الرمزي، عوضاً عن أن يكون عبئاً قانونياً..!

أما الانتهاكات الجنسية، وعلى رأسها الاغتصاب، فغالباً ما تُمارَس خارج إطار التصوير المباشر، لكنها تحضر في التوثيق عبر التهديد، والاعتراف، وشهادات الضحايا، وتقارير المنظمات الحقوقية، ما يجعلها جزءاً من منظومة العنف ذاتها، حتى حين لا تظهر بصرياً..!

خطورة هذا التوثيق لا تكمن فقط في حجم الجرائم، بل في الاعتياد البصري عليها، فالتكرار يحول المشهد الصادم إلى صورة مألوفة، ويُخدر الحس الأخلاقي، ويفتح الباب أمام صمت دولي يكتفي بالمشاهدة. لكن هذه المقاطع، التي أُنتجت بوصفها أدوات ترهيب واستعراض، تحمل في داخلها مفارقة قاسية، فهي مهما قُصد بها التخويف، تشكل في الوقت ذاته أرشيفاً مفتوحاً للإدانة. إذ في الحروب، قد يُزوَّر التوثيق، وقد تُمحى الأدلة، وقد ترتبك السرديات، لكن حين يصر الجناة على أن يكونوا شهوداً على أنفسهم، فإنهم يتركون خلفهم ما يتجاوز اللحظة، يتركون ذاكرةً لا يمكن إنكارها، حتى إن تأخرت العدالة!.

munaabuzaid2@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top