حــدود المنطق إسماعيل جبريل تيسو تنسيق الموارد المعدنية والبنك المركزي .. الذهب بين الحرب والتعافي..

حــدود المنطق
إسماعيل جبريل تيسو
تنسيق الموارد المعدنية والبنك المركزي .. الذهب بين الحرب والتعافي..

في بلدٍ مثل السودان انهكت اقتصاده الحرب واستنزفته الفوضى، يصبح الذهب طوق نجاة، ويتحول إلى ورقة إنقاذ وطنية تختبر قدرة الدولة على إدارة مواردها السيادية بعقل مؤسسي ورؤية استراتيجية، ومن هنا تأتي قيمة اللقاء الذي جمع محافظ بنك السودان المركزي آمنة ميرغني حسن التوم، والمدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية محمد طاهر عمر، لقاءٌ حمل العديد من المؤشرات الإيجابية على اتجاهات الدولة وخياراتها في معركة التعافي، واكتسب هذا اللقاء أهميته لانعقاده في توقيت دقيق وحساس ما يمثل خطوةً ذات دلالات عميقة على مستوى تنظيم صادرات الذهب وحماية أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.

والواقع أن العلاقة بين بنك السودان المركزي والشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، تقوم على تنسيق استراتيجي مؤسسي يهدف إلى الإدارة الرشيدة لمورد الذهب وتعظيم عوائده لصالح الاقتصاد الوطني، ففي حين يركز البنك المركزي على تنظيم الجوانب المصرفية لعمليات صادر الذهب، من حيث الدفع والرقابة وتعزيز الاحتياطي النقدي واستقرار سعر الصرف، تضطلع الشركة بإدارة القطاع فنياً وتنظيم عمليات الجمع والتوجيه، بالتنسيق مع وزارة المالية، وتشكل هذه الشراكة إطاراً متكاملاً لضبط عمليات الصادر، وتطوير آليات التتبع والرقابة، وضمان أعلى درجات الشفافية، عبر اجتماعات وتقارير دورية تسعى لتوحيد الجهود وضمان استفادة الدولة القصوى من مواردها المعدنية.

وشكلت المخرجات العملية للقاء مدير شركة الموارد المعدنية ومحافظ بنك السودان المركزي أهمية كبرى لملامستها مكامن الوجع الاقتصادي، إذ توافق الطرفان على تشكيل لجنة مشتركة تتولى التنسيق في القضايا المتعلقة بصادرات الذهب، بما يسهم في تنظيم عمليات الصادر، وتعزيز الرقابة، وتحقيق المصلحة الاقتصادية الوطنية، كما ناقش اللقاء سياسات الصادر الحالية وآليات تحفيز المصدرين، مع الاتفاق على عقد لقاءات موسعة تضم جميع الجهات ذات الصلة بعمليات التصدير، بهدف توحيد الرؤى ومعالجة التحديات المزمنة التي تواجه القطاع، ويعكس هذا التوجه إدراكاً متقدماً لدور الذهب كأداة محورية في تحقيق التعافي الاقتصادي، لا مجرد مورد سريع العائد.

ووفقاً لخبراء استراتيجيين، فإن مثل هذه اللقاءات تمثل نموذجاً مطلوباً لإدارة الاقتصاد في ظل التحديات الاستثنائية التي فرضتها الحرب، حيث لا يمكن تحقيق التعافي دون حوار مؤسسي منتظم بين أكبر الفاعلين الاقتصاديين في الدولة، فالتنسيق بين بنك السودان المركزي والشركة السودانية للموارد المعدنية يبعث برسائل طمأنة للأسواق، ويؤسس لسياسات متسقة بين الإنتاج والصادر والسياسة النقدية، بما يعزز الثقة في الاقتصاد الوطني، ويحد من التهريب والفوضى، ويفتح الطريق أمام استعادة التدفقات المالية الضرورية للاستقرار.

وفي مرحلة ما بعد الحرب، تبرز أهمية تنسيق الجهود والمواقف بين جميع شركاء قطاع المعادن للنهوض بهذا القطاع الحيوي، الذي يمثل أحد أهم مخارج السودان من أزمته الاقتصادية، فالذهب يمكن أن يكون رافعة حقيقية لتمويل مشروعات البناء والإعمار، وتحريك عجلة الإنتاج، وتوفير فرص العمل، شريطة أن يُدار بعقل الدولة لا بعشوائية السوق، ومن هنا، فإن تحويل هذه اللقاءات إلى سياسات مستدامة، وأطر عمل واضحة، وشراكات فعالة، يضع قطاع المعادن في موقعه الطبيعي كقاطرة للتنمية، وركيزة أساسية في بناء سودان ما بعد الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top