آخر الإسبوع
علم الدين عمر
الدولة تعود.. والمليشيا تنكسر..
– عودة المؤسسات الإتحادية من أطراف الخرطوم..واقعية الدولة..
تأجيل وسط العاصمة..التخطيط بالعقل..
إعادة ترتيب الجهاز التنفيذي.. الخدمات بوابة إستعادة الدولة..
المليشيا في أسوأ حالاتها.. إنكسار الميدان وتآكل الحواضن..
لم يكن الإسبوع الماضي عادياً في سياق تطورات المشهد السوداني.. بل حمل مؤشرات متزامنة على مسارين متعاكسين..
مسار أول تتحرك فيه الدولة – ببطء محسوب – لإستعادة وظائفها ومؤسساتها.. ومسارٌ ثان تتدهور فيه المليشيا على المستويات الميدانية والإجتماعية والعسكرية والسياسية.. بصورة بات من الصعب حتى على داعميها إخفاؤها أو تجميلها..
في الخرطوم.. إستمر برنامج عودة المؤسسات الإتحادية لمباشرة عملها من العاصمة..مع عودة مزيد من الأجهزة التنفيذية.. وتمدد واضح في جهود التهيئة والخدمات في أطراف العاصمة..
وفي الميدان.. تراجعت المليشيا إلى خطاب الوعود الفارغة..
ظهور مرتبك لقادتها.. وتشظي داخلي بلغ حد التصفيات والصراعات المفتوحة..
(1)
عودة المؤسسات الإتحادية: الدولة تختار الممكن..
إستمرار عودة المؤسسات الاتحادية إلى الخرطوم خلال الإسبوع الماضي يعكس تحولاً مهماً في طريقة تفكير الدولة..
لم تعد العودة عملاً رمزياً أو محاولة لإلتقاط صورة سياسية.. تحول البرنامج لعملية تنفيذية تدريجية تستند إلى تقييم واقعي للجاهزية.. والأمن، والخدمات..
عودة عدد من المؤسسات لمقارها في أطراف العاصمة.. خاصة في بحري وشرق النيل وأجزاء من أم درمان.. ترافقت مع مباشرة فعلية للعمل. وإستئناف إجراءات إدارية وخدمية تمس حياة المواطنين مباشرة..
هذا التدرج.. وإن بدا بطيئاً للبعض.. إلا أنه يشير إلى إدراك عميق لحجم الدمار الذي خلفته الحرب.. وضرورة عدم تكرار أخطاء القرارات المتعجلة..
الدولة.. في هذه المرحلة.. لا تبحث عن “إعلان العودة”، بل عن إستمرارية العمل..
(2)
التهيئة وتأجيل وسط الخرطوم: الإعتراف بالواقع كخطوة أولى للتعافي..
حديث رئيس اللجنة العليا لتهيئة العاصمة.. عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر لعدد من الصحفيين.. شكل علامة فارقة في خطاب الدولة..
جابر تحدث بوضوح عن تركيز اللجنة على الإفادة القصوى من الموارد المتاحة للعمل في أطراف العاصمة.. مع تأجيل العمل في وسط الخرطوم إلى المرحلة الثانية بسبب ما تعرض له من تخريب واسع في البنية التحتية..
وسط الخرطوم – بما يضمه من مقار سيادية ووزارات ومؤسسات خدمية – تحول إلى واحدة من أكثر مناطق البلاد تضرراً..شبكات كهرباء منهارة..محطات مياه معطلة..صرف صحي مدمر..طرق وجسور متأثرة، ومبانٍ تعرضت للنهب والحرق..
التأجيل بدا كترتيب منطقي للأولويات ومضي مباشر لعمل مرتب ومنظم ومحوري في إعادة الحياة للعاصمة..
(3)
إعادة ترتيب الجهاز التنفيذي: الخدمات كمدخل لاستعادة الدولة..
بالتوازي مع عودة المؤسسات..واصلت الدولة خلال الإسبوع الماضي عملها على ترتيب أولويات الجهاز التنفيذي في المركز والولايات..وفق منطق جديد تفرضه مرحلة ما بعد الصدمة..
شهدت عدد من الولايات إفتتاح مستشفيات ومراكز صحية.. وإعادة تشغيل أقسام حيوية أخري إلى جانب عودة أسواق رئيسية للعمل.. وتحسين إنسياب السلع الأساسية..
هذه الخطوات.. رغم محدوديتها.. تعكس فهماً متقدماً لطبيعة المعركة..
فالدولة لابد لها من إستعادة الخدمات أولاً لتقنع المواطن بخطابها السياسي..و بقدرتها على تلبية الحد الأدنى من إحتياجاته..
اللافت أن هذا الجهد لم يعد محصوراً في الخرطوم.. بل إمتد بوضوح إلى الولايات.. في محاولة لتكريس معادلة جديدة تقلل من مركزية الدولة.. وتعيد الإعتبار لدور الولايات والأطراف وتحقيق إنسيابية الحكم المركزي لحين إنهاء الفترة الإنتقالية..
(4)
الولايات في قلب المعركة.. أطراف مستقرة..دولة قوية..
واحدة من أهم سمات الإسبوع الماضي كانت الحضور المتزايد للولايات في حسابات الدولة..
الخرطوم لم تعد وحدها محور القرار التنفيذي.. بل أصبحت جزءاً من شبكة أوسع تسعى الدولة من خلالها إلى تثبيت الاستقرار النسبي في أكبر عدد ممكن من الولايات..
هذا التحول – إن كُتب له الاستمرار – قد يشكل بداية تصحيح لإختلال تاريخي في علاقة المركز بالأطراف.. كان أحد الأسباب العميقة لإنفجار الأزمات المتتالية في السودان..
(5)
تدهور المليشيا..من خطاب السيطرة إلى وعود السيارات..
في المقابل بدت المليشيا خلال الإسبوع الماضي في واحدة من أسوأ حالاتها منذ إندلاع الحرب..
ميدانياً.. تراجع واضح في القدرة على المناورة.. وتشظي في وحداتها.. وتزايد حالات الفرار والإنقسام..
إجتماعياً.. تآكلت صورتها وسط الحواضن التي كانت تراهن عليها..مع تصاعد السخط نتيجة النهب..والإنفلات.. وإنعدام الأمن..
الظهور البائس لقائد ثاني المليشيا.. عبدالرحيم دقلو..وهو يخاطب مجموعة من الجنود في مكان غير معلوم.. شكل تجسيداً صارخاً لحالة الإنكسار..
دقلو بدا مرهقاً.. مرتبكاً..بملابس وهيئة تعكس حالة من الفوضى.. وهو يعد جنوده بتوفير سيارات في محاولة يائسة لرفع معنوياتهم..
المفارقة أن الرجل الذي كان يُقدم كأحد “أركان القوة” ظهر وكأنه يحاول إقناع نفسه قبل جنوده بأن المليشيا ما زالت قادرة على الصمود..
هذا الخطاب – القائم على الوعود المادية – يكشف إنهيار المنظومة القيمية والعسكرية للمليشيا.. وتحولها إلى تجمع مسلح بلا أفق..
(6)
سقوط زعم “حكومة التأسيس” وتشظي الإدارات المدنية..
بالتوازي مع التدهور الميداني.. شهد الطرح المتعلق بما يسمى “حكومة تأسيس” تراجعاً حاداً إمتداداً للأسابيع الماضية ..وصل حد الإختفاء شبه التام..
قادة هذا المشروع غابوا عن المشهد.. وسط أنباء متداولة عن عجزهم حتى عن مقابلة المتمرد حميدتي أو شقيقه.. في مؤشر واضح على تفكك مركز القرار داخل المليشيا..
أما ما يعرف بـ”الإدارات المدنية” التي عينتها المليشيا.. فقد دخلت مرحلة الترنح الكامل..خاصة في غرب كردفان.. حيث تراجعت سلطتها ودبت بينها صراعات شرسة في ظل تشظي ميداني واسع..
تقارير متقاطعة تحدثت عن تصفيات لقادة ميدانيين.. وصراعات نفوذ.. وإنهيار كامل لما تبقى من هياكل الإدارة التي حاولت المليشيا تسويقها كبديل للدولة..
هذه التطورات تؤكد أن المليشيا لم تفشل فقط في إدارة الدولة.. بل فشلت حتى في إدارة نفسها..
خلاصة الإسبوع..
الإسبوع الماضي رسم مشهداً واضح الخطوط..
الدولة تتقدم – ببطء ووعي – من الأطراف نحو أستعادة وظائفها.. والمليشيا تتراجع – بسرعة وفوضى – من وهم السيطرة إلى واقع الإنهيار..
الطريق أمام الدولة لا يزال طويلاً..ومحفوفاً بالتحديات.. لكن الفرق الجوهري أن الدولة تخطط..بينما المليشيا ترتجل..
إستمرار معركة النفس الطويل.. والعقل البارد.. والقدرة على البناء وسط الركام..
وهو فارق بدأ يتضح… إسبوعاً تلو الآخر..






