للحقيقة لسان
رحمة عبدالمنعم
(سودانير).. طائرة يتيمة!
عادَت أمس الأول السبت طائرة الخطوط الجوية السودانية (سودانير) من طراز A320 إلى البلاد بعد اكتمال صيانتها في الهند، فارتفعت نبرة الاحتفاء، وكأن الناقل الوطني استعاد عافيته، غير أن هذا الفرح يفتح باب سؤال مؤلم: كيف وصلنا إلى مرحلة نحتفي فيها بعودة طائرة واحدة، لشركة كانت تمتلك في يومٍ ما أسطولاً يملأ المدارج، واسمها يسبقها إلى المطارات؟ وهل يعكس هذا الاحتفاء حجم الانحدار الذي وصلت إليه سودانير؟ وهل ستتمكن الشركة فعلاً من النهوض مرة أخرى؟
وقد تأسست الخطوط الجوية السودانية (سودانير) عام 1946، لتصبح أول ناقل جوي في أفريقيا والشرق الأوسط، وشركة عريقة تمثل رمزاً للسيادة الوطنية والتواصل مع العالم، وعلى مدى أكثر من سبعة عقود، كانت سودانير أكثر من مجرد شركة طيران، كانت مؤسسة تنموية تربط السودان بالعالم، وتساهم في الاقتصاد والمجتمع، وتمتلك أسطولاً متنوعاً وشبكة وجهات واسعة تشمل أوروبا والعواصم العربية والأفريقية.
لكن الشركة عانت بشدة خلال عقود سابقة، حيث أُهملت، وبِيع جزء من أسطولها، وتعطّلت الطائرات الأخرى، وأُضعفت الخطوط الدولية، ما أدى إلى فقدانها جزءاً كبيراً من قدرتها على المنافسة، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم:لماذا فقد السودان ناقله الوطني التاريخي بهذه الطريقة؟..
ومع ذلك، فإن استئناف تشغيل هذه الطائرة يذكّرنا بأن سودانير لم تفقد جوهرها التاريخي، وأن إعادة بنائها ممكنة إذا توفّرت الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية، فالناقل الوطني ليس مجرد شركة طيران، بل أداة اقتصادية وسياسية واجتماعية، له دور في السياحة والتجارة وربط السودان بالعالم الخارجي، ويجب أن يُنظر إليه كجزء من البنية التحتية الوطنية الحيوية،لكن يبقى السؤال: هل هناك خطة حقيقية لإعادة سودانير إلى مكانتها، أم سنظل نحتفي بطائرة يتيمة؟.
ويقع على عاتق رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، وحكومة الأمل بقيادة الدكتور كامل إدريس مسؤولية العمل الجاد لدعم سودانير وضمان عودتها كناقل وطني حقيقي،فمن المخجل أن تكون شركة عريقة بحجم سودانير تمتلك طائرة واحدة فقط؛ فماذا سيحدث إذا تعطلت؟ كيف ستُغطّى رحلاتها؟ وكيف ستعتذر لعملائها الذين يعتمدون على خدماتها؟.
الحكومة مطالبة بوضع خطة واضحة لإعادة بناء الأسطول، وحماية الأصول، ودعم طواقم الشركة، لضمان استمرار عملها وفق معايير السلامة والكفاءة الدولية، واستعادة ثقة المسافرين، فالاحتفاء بطائرة واحدة لا يكفي، بل يجب أن يكون الدعم مؤسسياً واستراتيجياً، حتى تكون سودانير قادرة على أداء دورها الوطني بشكل فعلي ومستدام.
وسودانير شركة وطنية عريقة،وكانت أحد أعمدة الدولة السودانية وواجهة اتصالها بالعالم،ما آلت إليه اليوم يستدعي وقفة جادة ومسؤولة لإعادة تقييم مسارها، وحماية ما تبقى من أصولها، ووضع خطة واقعية لإعادة بنائها على أسس مهنية واقتصادية سليمة،فإعادة الاعتبار للناقل الوطني ليست مسألة رمزية، بل استحقاق وطني يتطلب دعماً مؤسسياً ورؤية طويلة المدى تضمن لسودانير موقعها الطبيعي بين شركات الطيران في المنطقة.






