اندياح
داليا الياس
(فن إدارة المسافات)
لكي يبقى الجميل في عينيك جميلاً ، لا تقترب منه كثيراً .. فالبعض أجمل من بعيد….والبعض ألطف من بعيد… فحافظ على المسافة بينك وبينهم لتسعد بودهم ووصلهم زمناً طويلا.
لقد علّمتنا الكتابة أن نترك مسافة بين الكلمة والكلمة لكي يفهم القارئ ما نكتب .. وعلمتنا حركة المرور أن نترك مسافة أيضاً بيننا وبين السيارة التي أمامنا منعاً للحوادث .. وكذلك علمتنا حركة الحياة أن نترك مسافة بيننا وبين الآخرين .. حتى لا نصطدم بهم ، أو نتصادم معهم .
هذه الفكرة إستدعت للذاكرة قصة رمزية ذكرها الفيلسوف الألماني ( شوبنهاور ) تقول (إن مجموعة من القنافذ اقتربت من بعضها في إحدى ليالي الشتاء المتجمدة طلباً للدفء ، وهرباً من الجو الجليدي شديد البرودة ، لكنها لاحظت أنها كلما اقتربت من بعضها أكثر ، كلما شعرت بوخز الأشواك التي تحيط بأجسادها ، مما يسبّب لها المزيد من الألم .. وأنها كلما ابتعدت عن بعضها البعض شعرت بالبرودة تجمد أطرافها ، وبحاجتها للدفء في أحضان أصدقائها !.. بقوا على هذه الحال بين ألم الاقتراب ، وصقيع الإبتعاد .. الى أن توصلوا الى المسافة المناسبة التي تقيهم من برودة الجو الجليدي وتضمن لهم أقل درجة من ألم وخز أشواك الأقارب).
ولكل إنسان منا عيوبه وأشواكه الخاصة التي قد لا تظهر لك ولا تشعر بآلام وخزاتها إلا عندما تكون على مسافة غير مناسبة منه… البعض يعتقد أنه كلما ازداد قرباً ممن يحبهم فإن هذا سيشعرهم بالسعادة، وهذا ليس صحيحاً على الدوام ، فحتى الإهتمام الزائد قد يفقد معناه وحميميته ويتحول الى إختناق يشعر معه الآخرون بالضجر والتململ الذي قد يتحول الى نفور وكراهية.. فالإنسان يحب خصوصيته وحدوده التي يحرص على أن يحترمها الآخرون مهما كانت درجة قرابتهم.. لذا إحرص على ضبط مسافاتك مع الآخرين حتى وإن كانوا أبناءك أو أقاربك .. فلن تخسر الناس من حولك إن تركت بينك وبينهم بعض المسافة التي تحترم تفاصيلهم ورغبتهم فى التنفس.. بل ربما تكون علاقاتك الانسانية أجمل وأكثر قُدرة على النمو والازدهار إن تركت لها المسافة الكافية للنمو.
إدارة المسافات فن يجب علينا تفهمه وإتقانه.. كن على مسافة مناسبة تسمح لك ولهم بالإندياح وحرية الحركة.. لا تقترب كثيراً فتملَّكَ الناس، ولا تبتعد عنهم كثيراً فينْسَوْكَ وتبرد عواطفهم تجاهك…. الوسطية مطلوبة فى كل شئ.
وتذكّر دوما أن ضبط المسافات من أكبر سنن هذا الكون ودلائل عظمته.. وأن سير الكواكب الدقيق مرتبط بإحترام المسافات.. فلو إقتربت الشمس منا ميلاً واحداً فقط لأحترقت الارض، ولو ابتعدت عنا ميلاً لتجمّد كل ما حولنا.
تلويح:
لسه بيناتنا المسافة والعيون!!!






