د. عبداللطيف البوني يكتب :( ناس قريعتي راحت)

حاطب ليل

د. عبداللطيف البوني

ناس قريعتي راحت

عمنا محمد علي (مفيتيح) عليه رحمة الله كان منجذباً نحو الثقافة الهدندوية لدرجة الذوبان إذ كان كث الشعر الذي يتوسطه “الخُلال” ويلبس الصديري ويركب الجمل في وسط الجزيرة ..عندما كنا صغاراً كنا نجلس اليه كثيراً ليحكي لنا عن تغريباته في كل أنحاء السودان .
كان يطربنا بصوته الشجي عندما يدوبي ..حكى لنا ذات مرة أنه كان راكب في عربة “لوري أوستن” بها بضائع وركاب فانقلبت في منطقة الجديد الثورة قلبة خفيفة.. فطفق الركاب كل يبحث عن حاجة… رجل فقد جزلانه …وامراة تبحث عن ذهبها وآخر يبحث عن حقيبته …أحدهم رقيق الحال يلف ويدور رافعاً صوته أنا قريعتي وين أنا قريعتي راحت فقال (قمت عليهو وأديتو كف لمن استعدل) بمعنى أنه كان في حالة اضطراب عقلي.. ومن ساعتها أخذ عمنا مفيتيح يستخدم عبارة( ناس قريعتي راحت) مشيراً للناس البسطاء العاديين مثلاً يقول لك أنا بصاحب ناس كمكات مش ناس قريعتي راحت …
أخذنا نحن جلسائه منه هذه العبارة وأصبحت متداولة بيننا …ثم استخدمتها في عمود حاطب ليل عندما بدأت به الكتابة الراتبة إشارة لغمار الناس ثم انتشرت فأخذ يستخدمها السياسيون فقد سمعتها كذا مرة من الراحلين الصادق المهدي وعبد الرحيم حمدي والصحفيين فقد قرأتها كذا مرة عند استاذنا عبد الله علي ابراهيم وزميلنا الاستاذ يوسف عبد المنان …لقد دخلت قاموس البلاغة الاستعاري السوداناوي فإذا قلتها اليوم لأي سوداني لا يحتاج منك الي توضيح وبالطبع لن يفهمها غير السوداني لذلك وصفناها بالسوداناوية فهي حالة وليست جنسية .
اتخذتها رمية اليوم لكي أتوسّل بها لقراءة الحالة السوداناوية في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط المتمثّلة في الهجوم الأمريكي/ الإسرائيلي على إيران ورد الفعل الإيراني المتمثّل في الهجمات الصاروخية على إسرائيل والدول الخليجية… فالدنيا مقلوبة وكأني بالسودان وسط المعمعة يصيح أنا قريعتي وين ؟ أي أنا حربي وين؟ ..فمن المؤكد أن أي سوداني اليوم يهمه تأثير هذه الحرب على الحرب الدائرة في بلاده أكثر من اهتمامه بما يحدث للآخرين ..
الأمر المؤكد أن ارتباط هذه الحرب بالحرب الدائرة في السودان ارتباط وثيق ولا يحتاج لدرس عصر لإثباته.
بما أن أي دولة من دول المنطقة تتحسّس مغتنياتها خوفاً عليها نحن كذلك نتحسّس أملاكنا ،فالدولة الثرية تتحسّس أبراجها وفنادقها ذات العشر نجوم ومطاراتها العالمية ومولاتها… جمع مول … وكل الذي منه ، فنحن كذلك نتحسّس ما أبقاه لنا العدوان الآثم الذي لم يترك لنا إلا القرعة ..( أي زول عاجبه الصارو ) أكان جزلان أكان دهب أكان قرعة ..
من المبكّر معرفة مدى تأثير هذه الحرب على حربنا إذ الحكاية مازالت في أولها …وأبوابها مفتوحة على احتمالات كثيرة ولكن كمقدمة يمكننا القول إن ما سينتهي عليه الوضع في إيران هو الذي سوف يؤثّر على كل المنطقة وبالتالي على السودان والحرب الدائرة فيه …قد يستطيع النظام القائم في إيران المقاومة وتستمر الحرب لمدة طويلة فهنا سوف تدفع إسرائيل ومن يواليها ثمناً باهظاً.. وقد يأتي نظام موالي لإسرائيل لا بل قد يظهر نظام ملالي موالي لإسرائيل …فظهور نظام متجاوز للقضية الفلسطينية والقدس موالي للصهيونية كنظام الشاه السابق أصبح وارداً …فساعتها سوف تتغيّر أوضاع كثيرة وسوف ينعكس ذلك على السودان وحربه …ما يمكن قوله الآن إن المحورين الذين ظهرا في الشهرين الأخيرين في الاقليم حيث أصبح السودان جزءًا في واحد منهما، إن هذين المحورين قد انتهيا في أول يومين …فهذا يعني اصطفافاً جديداً سوف يظهر في اليومين القادمين …بيان الخارجية السودانية الأخير يوضح أن السودان بدأ يحجز في التمحور الجديد … قد يسأل سائل هل سوف يتخذ السودان موقفه من مجريات الحرب على أسس مبدئية ام عملية ؟ أغلب الظن أن الواقعية البراغماتية سوف تكون سيدة الموقف ..المثل السوداني يقول (الضائق لدغة الثعبان بيخاف من مجر الحبل ) غايتو الشغلانة دايرة لعب بولتيكا …ولكن خلونا مع القصة التي تقول …قيل للقرد ربنا بيسخطك فرد بالقول ما بطال حايقلبني غزالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top