حاطب ليل

د. عبداللطيف البوني

اسئلة تركض خلف إجابات

من الأخبار المحلية الهامة والخطيرة ولكنها منسية عالمياً..ومهملة في إعلامنا الداخلي الرسمي والشعبي ما حدث لمدينة الأبيض التي تتعرّض هذه الأيام للمسيرات الاستراتيجية من قبل مليشيات الدعم السريع … ولعل آخرها ما حدث ساعة كتابة هذا المقال مساء الاثنين الثاني من مارس الجاري حيث جاء في الأخبار أنه قد تم ضرب مستشفى الأبيض الرئيسي وهناك أقساماً كاملة فيه قد دُمّرت وقد استشهد عدد من الكوادر الطبية ومرضى ومرافقي مرضى …هذا هو الافظع …ولكن المسيرات كانت في حالة انهمار في الثلاثة أيام الماضية …بالأمس جاء في الأخبار إن القوات المسلحة والقوات الموالية لها قد صدّت هجوماً على الدلنج من ثلاثة محاور وأنها قد كبّدت المعتدي خسائر فادحة …أخبار الأول من أمس تقول إن الجبهة الشرقية قد تحرّكت حيث تم قصف مدينة قيسان وأن معارك دارت بالقرب من الكرمك …وفوق البيعة وأن الطائرات مازالت تهبط في مطار نيالا ..
دون شك أن هذه أخبار مزعجة ومخيفة ولن تصرفنا عنها الحرب الكبيرة التي تدور في الشرق الأوسط فحربنا إن بدت صغيرة بالنسبة لها إلا أن الصلة بين الحربين لايتناطح فيها كبشان …كيف تهبط الطائرات في مطار نيالا وكل مطارات الخليج معطّلة ؟ كيف تهاجم الدلنج من ثلاثة اتجاهات فهل الدلنج محاصرة ؟ لماذا يتوالى قصف الأبيض وبهذه الضراوة ونحن نعلم ان الهجوم الجوي تمهيد لهجوم بري وإلا سيكون خسارة للذي يقوم به …فهل المليشيات في طريقها إلى الأبيض ؟ النيل الأزرق وما أدراك ما النيل الأزرق ..هل إثيوبيا بدأت اللعب الخشن مع السودان ..
ما تقدّم كله كوم لكن دعونا نقفز الي كوم آخر لنطرح سؤالاً هاماً ….
المنطق يقول ان الجيش السوداني سوف يستغل الحرب المستعرة الآن في الشرق الأوسط ويسرّع خطوات القضاء على المليشيا لسببين الأول أن الجيش كان متقدّماً في كافة الجبهات وإن تصدّعات المليشيا كانت في حالة تفاقم والسبب الثاني وهو الأهم رعاة وكفلاء المليشيا قد انشغلوا بأنفسهم ..فإذا بنا نرى العكس فالملايش هي التي تهاجم ..فكيف نعقل هذا ؟
نحن نعلم علم اليقين إن قواتنا المسلحة ممسكة بزمام المبادرة وأنها ماضية في تحقيق هدفها المعلن وهو تنظيف البلاد من المعتدين حتى آخر شبر فيها… ونعلم كذلك إن الحرب مطلق الحرب لها تكتيكاتها التي لا يفهمها المواطن العادي مثلنا …بعبارة أخرى إن الحرب فيها سر وجهر ولكن هذا لايمنعنا من طرح الأسئلة المقلقة عشماً في الإجابة الشافية التي تصون الجبهة الداخلية من التفكّك …. فاي شروخ في هذه الجبهة سوف يتسلّل منها الرعب والرعب دوما يهب في أشرعة العدو …وقد راينا ذلك رأي العين أثناء تمدّده في وسط السودان ..الخراب الذي أحدثه الرعب كان أكبر بكثير من الذي أحدثته المواجهات المباشرة ويشهد علي ذلك حركة النزوح الضخمة التي لم يشهد العالم المعاصر لها مثيلا..
قد تكون للقوات المسلحة في هذه الأيام عمليات كبيرة وخطط قيد التنفيذ سوف تسرّع الخطوات نحو الأهداف المنشودة و ليس من المصلحة إعلانها …قد تكون المليشيات فعلت ما فعلت لترسل رسالة بأنها مستقلة عن الجهة التي تدعمها… أو رسالة بأن مصادر تسليحها متعدّدة وليست جهة واحدة …في كل الأحوال المطلوب تطمين الجبهة الداخلية ….عالم اليوم لايعرف الفراغ الاعلامي فإذا سكت الإعلام الرسمي واعلام المؤسسات سوف تزحف الأسافير وتحل محلها بكل شايعاتها واحتيالاتها وتدليساتها .. .الإعلام جزء لا يتجزء من الحرب الدائرة في بلادنا فهو مكون أساسي فيها لذلك لابد من الانتباه لذلك ….
سياسة (تعرفوا بعدين) ليست دائماً ناجحة لأن (بعدين) هذه قد يطول أمدها والمعروف إن الوقت له تأثير كبير في بلورة الحدث بمعنى تطاول الزمن يغيّر طبيعة الأشياء بعبارة ثالثة بين الآن وبعدين قد يحدث ما يشقلب الأمور كلها ..
إن العلاقة بين حربنا السودانية هذه والحرب التي اندلعت في هذه الأيام والتي أشعلت كل مدن (العمارات السوامق والاسامي الأجنبية ) علاقة دياليكتيكية أي متداخلة … وهذه الرقعة الأرضية التي تفصل بين الحربين سوف تتلاشي بأسرع مما نتصوّر… هذا في حالة استمرار الكبيرة أما إذا توقفت فسوف تتوقف الصغيرة التي سبقتها … إلى حين أن يحدث إحدى الأمرين فالنواصل الغناء مع مصطفى سيد أحمد والشاعر حميد (وشك المكبوت مكندك صامصونايتك زمزمية) ، ؟ (ياما شايلك فيني حايم ) يا بت ود أب صفية ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top