اندياح
داليا الياس
(حِرفة دايرة عِرفة)
راجت على أيامنا أغنية للبنات كرست في إعتقادي لواحد من أسوأ المفاهيم المجتمعية السالبة التي ترتّب عليها تقاعس العديد من الشباب عن سوق العمل الحرفي وترك مساحات شاسعة من أرض السودان تكابد البوار.
فالأغنية التي كان مفادها : (أنا مابدور المزارعية…بدور البيلبس الطاقية) أقامت بشكل غير مباشر حاجزاً نفسياً شاهقاً بين شباب تلك الأيام ومعول المزارع رغم إمتداد الأرض والعوائد المجزية.
بالمقابل نجد أن معدل إحجام غالبية الشباب السودانيين عن العمل الحِرفي مرتفع جداً…والبعض يفضل أن يظل في كنف العطالة على أن يشرع في إكتساب حرفة يدوية تدر عليه دخلاً ثابتاً وتمنحه الأمان المهني والمجتمعي على إعتبار أن الحرفيين للأسف يصنفون في الدرجة الثانية بحسب نظرة المجتمع الجاهلة والمغلوطة !!
والمتمعّن في حركة دوران الحياة من حولنا سيجد أنهم لايقلون أهمية على الإطلاق عن حملة الشهادات الأكاديمية والألقاب..فالأدوار هنا بالضرورة تكاملية…ولن يجدي معك كونك طبيباً إذا طفت مياه الصرف الصحي مثلاً داخل عيادتك الأنيقة في غياب سباك حاذق!
الآن ..والبلاد تتعافى…والمحاولات تجري لإعادة التعمير والنهوض من تحت ركام الحرب والدمار لن يستقيم الأمر أبداً دون وجود أصحاب الحِرف بأعداد كبيرة في كل المجالات بناء ،تشطيب ،صيانة ، مكنيكية ،تكييف،سباكة،كهرباء…الخ.
ويبقى المؤسف في الأمر أن غالبية أهل الحِرف في السودان أما إكتسبوها بالممارسة مرغمين أو توارثوها كابراً عن كابر…فالإهتمام بمدارس ومعاهد ومراكز التدريب المهني ضعيف جداً وليس ضمن قائمة الأولويات مما جعلها ترزح تحت وطأة الإهمال وحتى طلابها على قلتهم يرتادونها على إستحياء وكأنها منقصة أو وصمة إجتماعية.
نحن نحتاج بشكل عاجل لإعادة النظر في تعاطينا مع التدريب المهني والحرفيين… وأعتقد أن التواجد الكثيف لمعظمنا في جمهورية مصر العربية يجب أن يكون قد ساهم في تغيير العديد من المفاهيم وأهمها تقديرنا للحرفيين وكيفية التعاطي مع الحرفة وممارستها بشكل منظم ودقيق .
والشاهد أن أصحاب المهن الحرفية الحصيفين الذين يتعاملون معها بجدية ويطوّرون أنفسهم في المجال يتحولون في الغالب لأصحاب رؤوس أموال كبيرة ويعيشون في رغد من العيش ويتوسّعون في المجال ويمضون قدماً وهم (أسياد روحهم) الشئ الذي يجعل حرفة في اليد أفضل من عشرات الشهادات.
إنني أرجو بقلب صادق أن يجد قطاع التدريب المهني إهتماماً خاصاً وأن ننقذ هويته الضائعة مابين وزارة الرعاية الإجتماعية ووزارة التعليم العالي ووزارة العمل… وأن يصبح مجتمعنا من الوعى بالقدر الذى يجعلنا نعترف بأهمية الحِرف المهنية وتأثيرها … وأن يتعاطى الحرفيين مع حرفتهم بجدية وثقة ومحبة ويقدمون خدماتهم بصدق وضمير و(عِرفة).
*تلويح:
وغداً تغني البنات :
(شرطاً يكون سباك…صاحب عِزب وأملاك)






