حاطب ليل
د. عبداللطيف البوني
“الحكومة كوم براها”
طبيعي أن ينفعل السودانيون بالحرب الأمروإسرائيلية/إيرانية ..فنحن شعب يعشق الأخبار العالمية ويتفاعل معها لدرجة أن اغاني البنات عندنا فيها إشارات من الحرب العالمية الثانية ..الطيارة الجات تحوم …شايلة القنابل كوم ..ضربت حمار كلتوم …ست اللبن ..ثم الحرب الكورية في الخمسينات ..الله لي كوريا ويا شباب كوريا ..ثم تاج السر الحسن وعبد الكريم الكابلي في تحية آسيا وأفريقيا ما خلوا غابات كينيا ولا الملايو …تفاعلنا مع حرب 1967م …فلسطين تناديكم يا رجال العرب تسلم أياديكم …
اشترك شبابنا في الحرب العراقية/الإيرانية وللمفارقة في الجانبين مشاركة شعبية بعيداً عن الدولة ..
طبيعي أن يكون الشعب منفعلاً بالحرب الجارية في الخليج …ولكنه انفعال مختلف ..فهذه الحرب وقعت والسودان يخوض حربه الداخلية وإن شئت الدقة يواجه عدواناً المكون الخارجي فيه أكبر من الداخلي …كما أن قسطاً كبيراً من الشعب خرج من الحرب المباشرة ويعيش آثار العدوان عليه… ويتابع ما يجري من حربين في غرب السودان وفي الخليج …طبعاً الرابط بين الحربين موجود ولكنه لم يجمع بينهما حتى الآن…طبعاً
الجمع بينهما وارد فهو ليس كالجمع بين الأختين …
كل الذي تقدّم يجعلنا نقول إننا في السودان عبارة عن (باقي كَتلة) نتابع “كَتلة” جديدة لذلك فإن متابعتنا تختلف عن متابعة الشعوب الأخرى ، من الآخر كده مش المسيرات دي نحن شبعنا فيها لقد غطت كل سماء بلادنا ولم توفر ولا مدينة واحدة وحتى هذه اللحظات مازالت تنهمر …يعني نحن والخليج بقينا في سرج واحد …
الشعوب الشقيقة التي تعيش ويلات حرب الخليج نسأل الله لها السلامة لم تعش حتى الآن عشر معشار ما عشناه نحن في السودان في سنوات الحرب هذه … فرغم كثافة النيران المتساقطة في حرب الخليج إلا أنها ليست مثل الاجتياح البري …فحتى الآن في الناس بيوتها ..سكان جنوب لبنان الذين امرتهم إسرائيل باخلاء بيوتهم أعطتهم انذارا قبل عدة أيام فخرجوا وهم يحملون معهم ما غلا ثمنه وخف وزنه من متاع ليجدوا في استقبالهم من يأويهم …نعم رحيل مر دون شك لكن تعال شوف ما حدث لأكثر من عشرة ملايين سوداني ..يدخل عليهم المعتدي وهو شاهراً سلاحه مغعلاً له واصلاً لدرجة القتل والاغتصاب ثم يأمرهم بتسليم ماهو مدسوس من أملاكهم وفي الآخر يطردهم خارج دورهم …ليجدوا في الطريق من يوقفهم ويعيد تعذيبهم …فهذه الملايين السودانية تتابع هذه الحرب الخليجية بعيون مختلفة دون شك ..
طبيعي أن يتفرّق السودانيون في مواقفهم من أطراف الحرب وبالتالي في طريقة نهايتها لصالح هذا الطرف أو ذاك.. وبعضهم اتخذ موقفه من نظرة ضيقة لما سوف يحدث في السودان … علماً بأن هذه الحرب سوف تعيد ترتيب الأوضاع السياسية في كل المنطقة وبالتالي في السودان …
ما تقدّم من بانوراما يتعلّق بالرأي العام السوداني أي الشعب ..لكن الحكومة يجب أن تكون نظرتها للحرب مختلفة ..الحكومة لا تملك رفاهية هذا التسيّب في الموقف من الحرب …عليها أن تكون في غاية الانضباط والدقة ..الحكومة لا يحكمها المزاج ولا التجربة التي مرّت بها البلاد ..الحكومة تحكمها أوضاع البلاد الحالية وما يجب أن تكون عليه ..ليس المطلوب منها موقف مثالي أو عملي إنما عليها ان تقرأ جيداً مصلحة البلاد العليا وتحدّد الطرق المؤدية إليها وتسلكها …وهذا يستلزم قراءة أطراف الصراع وتأثير كل واحد منهم على مجريات الأمور …ليس مطلوباً من الحكومة ممالاة العاطفة الشعبية لأن أدوات النظر عند الحكومة تختلف عن أدوات النظر عند الشعب ، المعرفة الشعبية محدودة (في حدي بيعرف اسمه اكتر من الحكومة ؟) كما قال عادل إمام في مسرحية شاهد ماشافش حاجة ..الحكومة عليها أن تكون مشاهدة لأي حاجة يجب أن تكون عندها أربعة عيون …عين في كل قبلة من القبل الأربعة …
لا يعني ما ذهبنا اليه أعلاه أن تكون هناك قطيعة بين الموقف الشعبي والرسمي من الحرب بل المطلوب هو أن تتخذ الحكومة الموقف الذي يخدم المصلحة القومية وتقنع الشعب بهذا الموقف ليكون سنداً لها ضد أي ابتزاز خارجي ناجم من موقفها …وهذا يعني أنه يتوجّب على الحكومة ليس اتخاذ الموقف الذي يخدم مصالح الشعب فحسب بل المطلوب منها إخراجه بصورة مرضية للشعب …وهنا يبرز السؤال ماهي الآليات التي تمكن الحكومة من اتخاذ الموقف الصحيح ؟حكومتنا الحالية تتكون من فرعين فقط هما مجلس السيادة ومجلس الوزراء فهذه هي المناصب الدستورية …. الجهاز التنفيذي هو مجلس الوزراء فقط …أي وزير تحته جهاز بيروقراطي جرّار …فعلى أي وزير أن يرجع لهذا الجهاز ويجعله في حالة استنفار …هذا الجهاز ديوانياً يقف على رأسه الوكيل .. والوزير هو حلقة الوصل بين هذا الجهاز ومجلس الوزراء ثم مجلس السيادة في حالة التشريع …السؤال هنا هل يمكن للجهاز البيروقراطي أن يعيش حالة الحرب ويقود البلاد لبر الأمان ..؟غداً ان شاء الله نحاول الإجابة..






