داليا الياس تكتب: «إن أرادوا إحصاناً»

اندياح

داليا الياس

«إن أرادوا إحصاناً»

إعراض الشباب عن الزواج، ارتفاع معدلات العنوسة، تزايد حالات الطلاق، تنامي أعداد الأطفال مجهولى النسب، إتساع دائرة الإنحراف السلوكي، ظهور حالات من الشذوذ الجنسي، إنتشار الأمراض المنقولة جنسياً …الخ، جميعها عبارات لها مرادف واحد، (تعسير سبل الزواج)… وهي حكاية واقعية معلومة لدى الجميع، تخطت حدود المشكلة، فأصبحت ظاهرة وأزمة اجتماعية عاصفة.
وبينما إستبشرنا خيراً حين مضى المجتمع بكلياته في طريق تبسيط طقوس الزواج والبعد عن المغالاة، ها نحن الآن نراه يعود إليها بقوة وشراسة مبتدعاً كل ما من شأنه رفع معدل (البوبار) وإصابة الشباب بالإحباط والإعراض والعزوف وربما الإقلاع.
ورغم أننا كنا نُدعى مراراً للمشاركة في ورش عمل تقام خصيصاً لبحث قضايا زواج الشباب وبإشراف جهات بارزة ذات صلة ولكن لا أعرف إلى أين ذهبت نتائج البحث والنقاش والتفاكر التي خرجنا بها وأين يتم تطبيقها!.
والشاهد أن الأنماط الجديدة في حالات الزواج تولد تحديات كبيرة تحتاج لتضافر الجهود الرسمية والمجتمعية، فالشباب مأمورون بإكمال الدين، وهم راغبون بالإحصان وفق الفطرة البشرية، ولكن المشكلات الإقتصادية تعد العائق الأول ويليها سلوك المجتمع السالب في التعامل مع الزواج ثم إلتباس أمر الإختيار وصعوبته، ويحتاج أمر التيسير لإيجاد فرص عمل للخريجين والشباب.. وهو ماكانت تبذل فيه الجهات المعنية محاولات جادة بحسب قولها- مع صندوق التوظيف ومشروع الخريج والتمويل الأصغر ثم قضت الحرب على كل بشريات ذلك الإستقرار وآثر الغالبية الهجرة.
كما يحتاج شبابنا فعلياً لدورات تأهيلية حول مفهوم وآلية الحياة الزوجية، لأن الواضح جداً أن المسألة تجاوزت صعوبة الزواج لإرتفاع معدلات الطلاق إن هو تيسر لا سيما في الزيجات الحديثة، وهو ما يشير إلى أن الشباب يدخلون تجربة الزواج وهم غير مدركين تماماً لحجم المسؤولية وقداسة المعنى.
النقطة الجديرة بالإثارة هي ضرورة كسر الحواجز القبلية في التزويج والكف عن المقاييس العنصرية وهو أمر له أبعاده الإيجابية في كل مناحي الحياة الإجتماعيه، إذ أنه تمكين لثقافة التعايش والتسامح وتوسيع لدائرة الخيارات وحفظ لحق الشباب في الاختيار الحر والميل القلبي، فالمستقبل المشرق يحتاج للتمازج والتداخل الذي يحافظ بدورة على وحدة النسيج الاجتماعي ولكنها بالضرورة مفاهيم تحتاج لدرجة كبيرة من الوعي وإرتفاع مستوى التعليم.
والمعلوم أن الزواج إلى جانب قداسته الدينية يعمل على محاربة الأمراض الصحية والإجتماعية ويحفظ النوع ويحقق التوازن النفسي، ولكن الحقيقة أن التردي الأخلاقي الواضح والخفي- الذي نعانيه الآن يصب بنسبة كبيرة في معين عجز الشباب من الجنسين عن التزاوج.
ويحتاج الأمر للعديد من المبادرات من كل فئات المجتمع لا سيما المنظمات ذات الصلة لمعاونة الشباب على الزواج ليس في قيام مراسم عقد القران فحسب، ولكن في توفير سبل العيش الكريم المستقر والسكن الآمن، وتلك أشياء يؤدي عدم توفرها لمشاكل أكبر لاحقاً.
إن الزواج في بلادي يحتاج لوقفة جماعية، بها الكثير من الجدية والالتزام والإحساس بالمسؤولية والتطبيق الفعلي لمفاهيم الرحمة والمودة والسكن، فمن المؤسف أن ترتفع معدلات العنوسة، ثم ترتفع معدلات الطلاق بالقدر الذي يجعل بقاء الزوجين معاً لمدة عام كامل في وئام أمر يستحق الإحتفال والتكريم! فهل تساءلنا عن الأسباب الحقيقية وراء ذلك؟، إنه ببساطة تراجع الوازع الديني، فهو الذي يفت عضد الزيجات ويجعلنا نصعب الأمور اليسيرة على شبابنا كلما أرادوا إحصاناً، ثم نتهمهم بالفسوق!

#تلويح:
فلنرحم شبابهم، ونرحم سلوكهم، ونرحم أنفسنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top