اندياح
داليا الياس
آباء وأمهات
كانت أمي عليها الرحمة تُمعن في لومي دائماً على إعتبار أنني لا أجيد أصول التربية!… وكنت أعترف جهراً فى كل مرة بذلك حتى أنهي الجدال الذى قد يتفاقم بيننا…، أمي طيب الله ثراها كانت تعتقد أنني أدلل أبنائي والتربية تحتاج للحزم والشدة مثلما حدث معنا….وأنا -كنت- أعتقد أن الصداقة والمودة هى التى قد تأسر أبنائي وتسمح لي بإحكام السيطرة، حتى إكتشفت ذات يوم أنني حالمة أكثر مما يجب وأن أبنائي ليسو بالبراءة والسذاجة التي كنت أظن…ولا يسهل قيادهم….ولكنهم عالمين ببواطن كللللل الأمور!!.
وتأكيداً لقولى هذا…سأسرد عليكم هذه الحكاية التي دقت ذات يوم كل نواقيس الخطر في حياتنا المنزلية بصوت مرتفع لاتنكره الأذن إلا من صمم أو نفاق وإدعاء!!.
وكنت قد ألحقت أبناءئي بمدرسة خاصة متوسطة الحال تفتقر للمباني والخدمات الفخيمة لكنها كانت فى إعتقادي تقدم الخدمات الأكاديمية اللازمة بفضل معلميها القدامى المتمرسين!.
وتركت لهذه المدرسة مسؤولية أن تقاسمني التربية بكل إطمئنان…!!
ثم إنهار حصن الأمان الذي كان يحوطنا قبل سنوات ذات يوم حين راح أبنائي يتجاذبون أطراف الحديث على مائدة الغداء عرضاً وبشكل جانبي وأحدهم يسأل الآخر عن سيناريو الوقائع التى حدثت مع زميلهم فلان بعد الحادثة الأخيرة؟!.
أثار حديثهم الغامض فضولي فسألتهم عن التفاصيل…، ترددوا قليلاً …شعرت بحرجهم الذى إستفز قلقي فأصررت على معرفة الواقعة!!.
ويااااللهول….تلاميذ من الصف الثامن -لاحظوا معي لتلاميذ هذه…ليس تلميذان مثلاً- ضبطوا بالجرم المشهود فى حمامات المدرسة نهاية اليوم الدراسي!!!…ذلك الجرم الذى منعت الفنانه ندى القلعة يوماً من ترديد أغنيتها الشهيرة التي كانت تشير إليه بوضوح!!!.
لقد حمل لي أبنائي (خبر الشوم) …وحينما رأوا ردة فعلي المستنكرة أثارت فيهم روح الرواية فراحوا يحدثوني عن العبارات النابية التى تكتب على الجدران…والألفاظ البذيئة المتداولة وسط الطلاب، وإكتشفت حينها أنهم يعلمون أكثر مما كنت أظن وأكثر مما ينبغي!!!!.
أطفال….بكل المقاييس أطفال…لم يبلغ بعضهم الحلم…ويسلكون تلك المسالك وينغمسون فى ذلك المستنقع داخل الحرم المدرسي لمدرسة خاصة يفترض أن تقدم رعاية أكثر مدفوعة القيمة من دمائنا !!!.
والأدهى والأمر ..ردة فعل أولياء الأمور حين تم إستدعاؤهم!!
..إستنكار وصراخ وتهديد ووعيد لإدارة المدرسة !!! بدلا” من أن يطأطئ أحدهم رأسه ويذرف دمع الندم والخوف والأسف…. يقف بكل صلف مدافعاً عن فعلة إبنه المشينة…وكأنما يوفر له الحماية اللازمة… ويقول له لاعليك…إفعل ماتشاء بعيداً عن الدين الحنيف والأخلاف الحميده!!
إدارة ومعلمي المدرسة حينها أعربوا عن عجزهم وأسفهم….وإكتفوا بفصل الفاعلين الذين كشفتهم الظروف….وقد يكون هناك غيرهم !!
قضيت ليلتي ساهرة أكاد أجن من قلقي وخوفي…ومنذها ظللت أطارد أبنائي في كل مكان وألاحقهم بأسئلتي التعسفية وأفرض عليهم الحصار المطبق حتى أننى فكرت جدياً فى منعهم من الدراسة!!.
أحد المعلمين واجهني بعدها بكل شفافية بأن مثل هذه الوقائع تتكرر كثيراً وقد أعياهم تقويم البعض ولم يعد التلاميذ يرتدعون أو يكترثون لأمر المعلم كثيراً…!!والسبب الرئيس فى كل ذلك السلم التعليمي المستحدث….ثم إنحسار تأهيل المعلمين… وتراجع قيم المجتمع…. وإنعدام الوعى لدى أولياء الأمور…وإكتفاء الجميع بالقشور دون الغوص فى الجوهر!
صبية فى طور المراهقة…يجابهون الإنحراف من كل الجهات…يعانون من الإهمال…إنشغال ذويهم…سلبية معلميهم…إنعدام الواعز الدينى…الإنفتاح التكنلوجي…و….و….و…..!!
فماذا ننتظر….وكيف نرى مستقبلهم…وأين نذهب من الله؟!!
ويبقى السؤال:
لماذا أصبحنا ننجب أبناءنا؟!
*تلويح
على هذه الأيام…أصبحت هذه الحكاية القديمة التي سردتها عليكم لا تمثّل شيئاً أمام مايحدث في المجتمع….فهل لا زلتم تدفنون رؤوسكم في الرمال؟!.






