أشعل تقاعده المنصات وتحوّل إلى حالة وجدانية واسعة
طارق كجاب.. ويبقى الأثـر
من ساحات الجراح إلى صدارة التريند..إشادات عابرة للحدود
منصة ” توجيه معنوي”..رجل ثبت وما بدَّل
مسؤولة أمريكية سابقة: سيكون للهادي دور مؤثر بعد التقاعد
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
ضجّت منصات التواصل الاجتماعي خلال اليومين الماضيين بخبر تقاعد العميد ركن الطبيب طارق الهادي كجاب من القوات المسلحة السودانية، بعد مسيرة امتدت لنحو ثلاثة عقود، قضاها متنقلاً بين ميادين الخدمة العسكرية والطبية، وفور إعلان خبر تقاعده، تصدّر اسمه قوائم التفاعل، حيث اشتعل رأس التايم لاين بأسئلة ساخنة تستفسر عن أسباب الإحالة، ونقاشات وتعليقات تستحضر دور العميد طارق خلال سنوات حرب الكرامة، ليصبح خبر تقاعده حدثاً عاماً تجاوز الطابع الإداري إلى حالة وجدانية واسعة.
مواقف في قلب النار
وخلال سنوات الحرب، لم يكن العميد طارق الهادي طبيباً عسكرياً يؤدي واجبه المهني فحسب، بل كان شاهداً حيَّاً على واحدة من أقسى تجارب الصمود الإنساني، إذ ظل الرجل مُحاصَراً لنحو عامين كاملين داخل نطاق السلاح الطبي، وسط واقع مثقل بالجثث والجرحى والمصابين، يتنقَّل بينهم طبيباً ومواسياً، يعالج من بقي، ويودّع من رحل، ويدفن الضحايا بيديه، ولم تتوقف أدوار العميد طارق الهادي عند حدود المهنة، بل امتدت إلى المجال الدعوي، حيث اعتلى المنابر وصدح من داخل المساجد في ظروف استثنائية، داعيًا للصبر والثبات، فكان نموذجاً لرجل جمع بين الطب والإيمان، وبين الواجب العسكري والرسالة الإنسانية، فثبت في موقعه وما بدَّل تبديلا.
صوت الطمأنينة
وفي خضم المعارك المتصاعدة بالعاصمة الخرطوم، برز العميد طارق الهادي كصوت يومي يلازم المواطنين، ينقل لهم تطورات الميدان ويطمئنهم على مجريات العمليات العسكرية، حيث لم تكن إفاداته مجرد تحديثات عسكرية، بل كانت جرعاتٍ معنويةً تبث الطمأنينة في نفوس المدنيين، وترفع الروح القتالية لدى الجنود في مواقع الاشتباك، وبمرور الوقت، تحوّل الهادي إلى ما يشبه (مؤسسة إعلامية) قائمة بذاتها، تمارس التوجيه المعنوي، وتعيد صياغة المزاج العام في لحظات القلق، مستنداً إلى مصداقية اكتسبها من حضوره الميداني، واعتلائه المنابر، والتزامه بنقل الوقائع كما هي.
إعلان التقاعد
وبهدوء يُحسد عليه، أعلن العميد ركن طبيب طارق الهادي كجاب خبر تقاعده، معرباً عن أمله في أن يكون ما قدمه خالصاً لوجه الله وفي ميزان حسناته، ومؤكداً في الوقت نفسه امتنانه العميق لتجربته، وداعياً الله أن يوفقه في المرحلة المقبلة، وأعرب كجاب عن اعتزازه العميق بالخدمة في صفوف القوات المسلحة السودانية، وقال إنها أشرف مؤسسة في البلاد، وستظل مصدر فخر لكل من انتسب إليها، وأشار إلى أن خدمته للوطن عبر المؤسسة العسكرية تمثل شرفاً عظيماً، مثمناً دور القيادة العسكرية في تحقيق التقدم، ومتمنياً دوام النصر والرفعة للقوات المسلحة.
تفاعل واسع
وأحدث خبر تقاعد العميد ركن طبيب طارق الهادي كجاب، موجة تفاعل غير مسبوقة، حيث تسابق رواد مواقع التواصل الاجتماعي في استعادة مواقف العميد طارق الهادي والإشادة بثباته ودوره خلال الحرب، ولم يتوقف التفاعل عند حدود الداخل السوداني، بل امتدَّ إلى خارج البلاد، حيث علّقت المسؤولة السابقة في البيت الأبيض، ضابط الاتصال السابق بين مكتب التحقيقات والحكومة السودانية (جانيت ماك إليغوت) على الحدث، مؤكدة أن تقاعد العميد طارق الهادي، يأتي في إطار الإجراءات الطبيعية داخل المؤسسات العسكرية، وأوضحت أن الجدل الذي صاحب القرار ارتبط بحملات تشويه إعلامية، دفعت البعض لتفسير التقاعد بغير سياقه الطبيعي، مشددة على أن مثل هذه الخطوات تحكمها القوانين واللوائح، وأشادت بدور العميد الهادي خلال الحرب، معتبرة أنه كان من أبرز الأصوات التي أسهمت في رفع الروح المعنوية وبث الأمل وسط المواطنين، خاصة في المراحل الأولى من النزاع، كما رجّحت (إليغوت) أن يشهد حضور العميد الهادي تأثيراً أكبر بعد التقاعد، حيث سيتاح له التعبير بحرية بعيداً عن القيود الرسمية.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فإن التفاعل الواسع مع تقاعد العميد طبيب طارق الهادي كجاب، يتجاوز حقيقةً أعمق من مجرد نهاية خدمة عسكرية؛ ويكشف عن التحول الذي طرأ على دور الأفراد في زمن الحرب، حيث لم يعد الجندي أو الطبيب مجرد منفذ للمهام، بل أصبح فاعلًا في تشكيل الوعي العام، لقد جمع الرجل بين ثلاثية نادرة: الميدان، والمنبر، والإعلام، ما جعله حاضراً في وجدان الناس بقدر حضوره في ساحات العمليات، ومن هنا، فإن تقاعد العميد طارق الهادي لا يبدو نهاية لدور، بقدر ما هو انتقال إلى مساحة جديدة قد تمنحه تأثيراً أوسع، خاصة في ظل الرصيد الشعبي الذي راكمه، لتبقى قصة طارق الهادي أكبر من سيرة ضابط، بل نموذج لإنسان صاغته الحرب، فصار أحد رموزها، وترك أثراً يتجاوز حدود الرتبة والوظيفة إلى فضاء الذاكرة الوطنية.






