عبد اللطيف البوني يكتب «واحدة وقدها رباعي»

حاطب ليل

عبد اللطيف البوني

“واحدة وقدها رباعي”

( 1 )

شدة تأثير حرب الخليج الجارية الآن على الأوضاع الاقتصادية في العالم لم يعد محل جدال… ارتفعت أسعار النفط في كل أنحاء العالم دون أي استثناء بما في ذلك الولايات المتحدة “ست الجلد والراس” في هذه الحرب. ..فطالما أن مضيق هرمز يتحكم في 22% من إمداد النفط العالمي فإن هذا يعني ارتفاع السعر العالمي …فأي طلمبة محروقات في كل الدنيا أصبحت دائمة التغيير لعداد سعرها بما في ذلك الدول التي لديها من النفط ما يفيض عن حاجتها .. فعالم اليوم كله يقوم على السوق الحر اللهم إلا دول قليلة مازالت تسير على النهج الاشتراكي وعلى رأسها الصين …ولعل المفارقة أن الصين اليوم فقدت أكبر مصدرين لإمدادها بالنفط هما فنزويلا وايران …فالمؤكد أن العالم اليوم بدأ يدخل في أزمة اقتصادية ما أنزل الله بها من سلطان ..وسوف تتجلّى هذة الأزمة في ارتفاع حاد في الأسعار… و ركود اقتصادي… وارتفاع كبير في معدلات البطالة …
(2)
قد يقول قائل نحن في السودان قد عشنا هذه الأزمة الاقتصادية الموعود بها العالم منذ 15 أبريل 2023 أي منذ أندلاع الحرب ..ولن تفعل حرب الخليج أكثر مما فعلته بنا حربنا …بعبارة أخرى ليس لدينا ما نخاف عليه و(الممطورة لاتبالي من الرش ) …كان مثل هذا الكلام سيكون مقبولاً إبان سيطرة مليشيا الدعم السريع على العاصمة ووسط البلاد…. حيث أن الحركة الاقتصادية قد توقّفت تماماً في قلب البلاد ..لا صادر ولا وارد ولا قطاع مال أو أعمال ولا قطاع نقل وكل الأسواق لا يتحرّك فيها إلا المال “المشفشف” …بعبارة جامعة كانت الدولة منهارة في وسطها ولا توجد حكومة اللهم إلا الإدارة الدقلاوية ..أما وقد عاد النبض لقلب الدولة وعادت الحكومة … وتحرّكت عمليات الوارد ثم الصادر …لاحظ قدمنا الوارد واستخدمنا أداة العطف ثم بدل الواو… وذلك للمسافة شاسعة بينهما ..وعادت المرتبات وللأسف عادت الاتاوات والمكوس بأقوى مما كانت عليه …بالتالي كان لابد أن تنعكس الأزمة الاقتصادية العالمية المشار إليها أعلاه على السودان.
( 3 )
إذن يا جماعة الخير عندما نضيف أزمتنا السودانية إلى الأزمة العالمية يصبح الوجع الواقع على المواطن السوداني مزدوجاً … واذا أضفت الي ذلك استمرار الحرب التي سوف تدخل عامها الرابع بعد عشرة أيام يصبح الوجع مركّباً ……في وقت الازمات والجوائح العالمية تحتاج الشعوب إلى الدولة القوية التي تدير الشأن العام لتخفف العب على المواطن… والدولة تحتاج إلى حكومة ذات فاعلية عالية …ولعل هذا ما ينقصنا في السودان اليوم ليصبح وقع الأزمة علينا ليس مركّباً بل مربّعاً ..
(4 )
دعونا نقفز لنقول إن هذه الأزمة سيكون أثرها على السودان كارثياً …. للأسباب المذكورة أعلاه وهي تجمع بين الموضوعية والذاتية… وللتخفيف من آثارها حتى يبقى الوطن والمواطن واقفاً لابد من إنهاء السيولة السياسية لإنهاء الحرب “اللتنا” بالتي هي أحسن أو التي هي أخشن حسب ماهو متاح .. ويجب أن ترفع الدولة يدها الجبائية الثقيلة وتوقف فساد تجار الأزمات بأعجل وأقوى ما تيسّر أو تعسّر ..أظن أن هذه الروشتة تحتاج إلى تفصيل أكثر …
(5)
ومع كل الذي تقدّم يمكننا القول إن تجربة الحرب الجارية الآن قد أكسبت السودان نوعاً من المناعة.. يمكن البناء عليها للخروج من الأزمة (المربعة ) المشار إليها أعلاه …فقد أثبتت الحرب أن المجتمع السوداني أقوى من الدولة بكثير …فعندما غابت الدولة تماماً قامت المجتمعات المحلية بحماية أفرادها بدرجة عالية.. فقد شهدنا الأسر الممتدة وهي تسد النقص …شهدنا إنفاق القادرين على الضعفاء .. شهدنا المغتربين وهم يقومون بالواجب وزيادة… وشهدنا قيم التكافل في أعلى صورها ..شهدنا قيادات شابة تعمل في تجرّد ونكران ذات …فعلى الدولة اذا كانت جادة في مواجهة هذه الأزمة وبما لديها من آليات أن تنحى جانباً الوجوه القديمة المكنكشة… وتتعامل مع القيادات التي أفرزتها المحنة …و”سكة من غير اللاعب”..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top