على كل
محمد عبدالقادر
الخرطوم والجبايات …«همبتة» المستثمرين
حين يجأر المستثمرون في الصناعة والتجارة بالشكوى من ثقل ضرائب ورسوم وإتاوات الحكومة ، فيلزمنا أن “نرفع الفاتحة على روح المواطن”، الذى سيتحمّل بالضرورة فواتير كلفة الاستثمار الباهظة، ويواجه الفقر والضنك والمعاناة والعوز، وهذا عين ما يحدث الآن في السودان..
يمتلئ بريدي بعشرات الرسائل التي تحمل شكوى مستثمرين يواجهون واقعاً مُزرياً ومؤسفاً رتّبته معاناتهم مع “القلع المستمر” الذي تمارسه الأجهزة الحكومية بالخرطوم يومياً، مما جعل مناخ الاستثمار طارداً للانتاج وعودة رؤوس الأموال في دولة تعلي من المطالبة بإنجاح عودة السودانيين وفي مقدّمتهم المستثمرين لكنها للأسف تحاربها بصورة أخرى بواسطة سياستها الجبائية.
الغرامات والضرائب والرسوم جعلت حياة المستثمر والمواطن جحيماً مستمراً، إذ زادت أسعار السلع واستحكم الغلاء وباتت الحياة المعيشية طاردة بفعل “عمايل ذات الحكومة التي تنادي فى الناس صباح مساء بخطاب فحواه ” بلادك حلوة أرجع ليها”، وتدشن مبادرات العودة واحدة تلو الأخرى دون أن تجعلها جاذبة..
على الدولة إن كانت جادة في إنجاح برامج الإعمار كف يدها أولاً عن جيب المواطن، وإعانة المستثمرين في الصناعة والتجارة على استئناف أنشطتهم دون معاناة…
اختار بعض أبناء السودان الخُلّص أن يعودوا إلى أرض الوطن لفتح المصانع وتحريك الاستثمارات ، وبالتالي توفير سلع للمواطن وفرص عمل وتحسين أوضاع البلاد الاقتصادية .. ولكنهم ظلوا يصطدمون بواقع الجبايات المبالغ فيها من جهة، وسوء مناخ الاستثمار من ناحية أخرى ، انقطاع الكهرباء والمياه وبؤس البنى التحتية و” حاجات تانية حامياني” ..
من بين عشرات الرسائل أضع شكوى أحد المستثمرين فى بريد الحكومة، إذ أن “باشبوزق الدولة” وصلوه فى السوق الشعبي أم درمان وطلبوا منه ترخيص المصنع ، الرجل حدّثني عن اكتمال كافة المطلوبات ، من “اسم عمل وضرائب وزكاة، وكرت الصحة ، ودفاع مدني “، وبعد أن اطمأنوا إلى وجود كل هذه القائمة من الاشتراطات ، طلبوا إذن المواصفات والمقاييس وترخيص المصنع الذى لا يمكن استلامه قبل شهر يونيو “وهم يعلمون ذلك”
ولايقدّرون ظروف الحرب وما تعرّض له المواطن ورأس المال الوطني من أزمات بسبب الحرب.
“باشبوزق الحكومة” لم تحدّثهم أنفسهم بالحس الإنساني عن ظروف العائدين وما أحدثته الحرب وحالة النزوح واللجوء الطويلة من إفقار للمواطن والمستثمر على حد سواء، لم ينبههم كذلك الحس الوطني لإدراك أن مثل هذه الممارسات من شأنها ضرب مشروع الحكومة الاستراتيجي القائم على إنجاح العودة الطوعية في مقتل..
المهم اضطر صاحبنا لدفع “17” مليون جنيه “مليار بالقديم” ، والتهمة عدم اكتمال الإجراءات ..
حدث هذا رغم أن صاحب المصنع يعمل دون أن توفّر له الدولة الكهرباء، ب”النسبة للمياه” اجتهد من جيبه الخاص فى توصيلها.. وقد دفع ثلاثة مليارات لنظافة شارع المصنع الذى يخلو حتى الآن من أي وجود، فعل ذلك حتى يشجع الآخرين على العودة بعد صيانة المصنع ب” الشي الفلاني” ، ولكن للأسف كل هذا لم يجد تقديراً من الدولة..
صاحب هذه القصة لم يغادر السودان منذ بداية الحرب وقد نزح إلى مدني وسنار ثم القضارف وبورتسودان وعطبرة والدامر يصارع الحياة حباً فى الوطن ويمنّي نفسه بالرجوع إلى المصنع حتى يساهم فى تطبيع الحياة وإنجاح برنامج العودة ،وقد فقد في تجواله هذا عبر خمس ولايات كل شئ، شأنه شأن كل المستثمرين الذين يسعون لالتقاط أنفاسهم الآن وتدشين بدايات جديدة تجعلها رسوم وجبات وغرامات الدولة في مهب الريح..
المؤلم في ما يحدث أن هنالك ترصّد لا من أجل الاطمئنان على استيفاء المستثمرين للإشتراطات اللازمة، ولكن لإيجاد ثغرات تسمح بجمع المال عبر الغرامات والجبايات، لو كان الأمر متعلّقاً بالاشتراطات لتم منح المستثمرين فرصة لتوفيق أوضاعهم قبل أن يُذبحوا ب”سكين الإتاوات” التي لا ترحم.. انصحوهم بضرورة اكمال الأوراق وسهلوا لهم الحصول عليها بدلاً من استعجال (قلعهم وهمبتتهم) بهذه الطريقة المخجلة.
ثم أي جناية أو تجاوز يستحق أن تلزم مواطن بغرامة قدرها ” 17″ ملياراً، خاصة وأنه لم يعمل بعد و مازال في مرحلة الإعداد لتشغيل مصنعه وبداية الإنتاج..
إن من الظلم بعينه أن يدفع مواطن مثل هذا المبلغ مع صغط الظروف المعلومة التي لاترحم، ماذا تقدّم الدولة لهذا المستثمر المواجه بكثير من الالتزامات حتى يدفع غرامة بهذه القيمة.
من المعيب أن تمارس الحكومة مثل هذا الظلم تجاه مواطنها، وتستهدف جيبه بهذه الطريقة المؤسفة، وتمارس مثل هذا السلوك الذى يهدّد عودة المستثمرين والمواطنين على حد سواء ..
هذه الرسالة نضعها فى بريد معالي رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس ووالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة الذى ادعوه للتحقيق في ما ورد عبر هذا المقال وإيقاف مثل هذه الجبايات المبالغ فيها، ومساعدة المستثمرين على العودة من جديد، فإن الله لاينصر الدولة الظالمة..
“اعدلوا هو أقرب للتقوى”..






