حاطب ليل
د. عبداللطيف البوني
عنصرية..جهوية…قبلية
(1)
قلنا أمس إن الدولة السودانية القائمة الآن والتي يمكن أن نؤرخ لقيامها باتفاقية الحكم الثنائي 1898..هذه الدولة المستمرة الي يومنا هذا ليس في دساتيرها أو قوانينها أي تفرقة عنصرية أو دينية ..لابل في القانون الجنائي ما يجرم الألفاظ العنصرية… هذا إذا علمنا أن الولايات المتحدة سيدة عالم اليوم …كانت تمارس التفرقة العنصرية وبالقانون … ولم تلغ القوانين العنصرية إلا في يوليو 1964 …فالرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عندما كان صبياً كان ممنوعاً من ارتياد بعض الطرق… وممنوعاً من الاقتراب من بعض المدارس …وبعض المطاعم … فقط لانه أسود … أما المجتمع الأمريكي لم يتخلّص من النظرة العنصرية شانه شان كل مجتمعات البيض في العالم … وهنا لابد من أن نستدعي للأذهان قصة جون فلويد الأمريكي الأسود (لا أستطيع أن أتنفس ) التي أقامت الدنيا في الولايات المتحدة وفي خارجها في 2020 . .ولكن مع ذلك يمكن القول إن الولايات المتحدة في الطريق للتخفيف من حمولات العنصرية . ..فكلمة زنجي هناك ليست فيها أي إشكالية والبعض يفتخر بها … فالمجتمع هناك في غاية الحيوية بدليل ترؤس أوباما للولايات المتحدة بعد فترة وجيزة من إلغاء القوانين العنصرية …الحداثة تزيل أي غبن حتى ولو لم تحقق المساواة الكاملة ..وفي تقديري إن المجتمعات التقليدية أي تلك التي لم تطالها يد الحداثة ..وإن شئت قل المتخلفة …ستظل تكسوها ظلال العنصرية وأتجرأ واقول إن القبلية أو القبائلية هي السبب.. المشكلة ليست في العنصر إنما في التعصّب القبلي.
(2)
علينا أن نفرّق بين العنصرية و القبائلية فالعنصر يشير إلى لون البشرة تقاطيع الجسم والشعر وهذه أشياء ليس للإنسان يد فيها إنما يولد بها ..أما القبائلية فهي تعني الانتماء لأب أو جد واحد.. أي مجموعة تدعى انها من سلالة واحدة ..ولكن في كثير من أنحاء العالم تم تجاوز القبائلية إلى روابط بشرية مكتسبة كالدولة والطبقة ..والآن جابت ليها عولمة حتى الدولة يمكن تجاوزها ..أما الجهوية فهي تعني الإنتماء إلى رقعة جغرافية واحدة …العنصر والقبيلة والجهة أي من هذا الثالوث ليس فيه مشكلة في حد ذاته وهو أمر موجود قبل الفرد.. أي ليس اختيارياً.. إنما يولد المرء به.. ولكن إذا أثر على خياراته اللاحقة …فإذا تأذى منه أو حاول التكسّب به.. فإنه يتحول إلى قضية … إذن المشكلة في القبائلية والعنصرية و الجهوية لأن بها محمولات سلبية.
(3)
نرجع للسودان فنقول طالما قوانين الدولة لاتقر العنصرية ولا الجهوية ولا القبائلية فمن أين جاءت المشكلة ..طالما قلنا أن هناك مشكلة فإذا يعني أن ثالوث ال(ية) لابد من مكافحته وازالته نهائياً حتى يصبح العنصر خالي من أي بعد تراتبي وتصبح الجهة مجرد إشارة جغرافية… ويتم تجاوز القبيلة …وفي تقديري أن القبائلية في السودان هي أس البلاء وانها حولت العنصر الي العنصرية والجهة إلى جهوية ….العنصر في السودان يشتمل على عدة قبائل وكذلك الجهة ..القبائلية هي لاعب النص في الحالتين …قبل انفصال الجنوب كنا نقول إن بالسودان عنصرين عنصر عربي وعنصر أفريقي ..وهناك قبائل عربية وقبائل أفريقية .. أخذنا هذا التنميط من هارولد ماكمايكل ..دون أي فحص ثم بعد انفصال الجنوب مباشرة قام البعض بتحوير تنميط ماكمايكل الي زرقة وعرب …ولكن لم يقل لنا أحد إن القبائل العربية متصارعة فيما بينها أكثر من صراعها مع القبائل الافريقية أو السوداء … وكذلك القبائل الأفريقية والسوداء صراعها فيما بينها أفظع من صراعها مع القبائل العربية …بدليل أنه بعد انفصال الجنوب الذين ماتوا في صراع السلطة بين الدينكا والنوير أكثر بكثير من الذين ماتوا في الصراع بين الشمال والجنوب طوال الفترة( 1955….2011) … صراع المعاليا والرزيقات كان أفظع بكثير مما سمى بصراع الزرقة والعرب في دارفور.
(4)
دعونا نقفز لنقول إن التباين العنصري في السودان وهم كبير واحتيال فكري انطلى على السودان فهذه البلاد ليس فيها نقاء عرقي ..نسوق هذا الكلام لدعاة النسب العربي ونذكرهم بأن أي سوداني (من مية يرجع لتية) وتية هذة الأنثى السوداء التي كانت مسترقة ..فهي موجودة في نسب أي سوداني …وأي محاولة لاقامة اصطفاف عنصري في السودان سوف تبوء بالفشل لأنه ليس لها مقومات ..فطالما ان الدولة السودانية منزهة في دستورها والقوانين المنبثقة منه من شبهة العنصرية فاليبحث الذي يسعون للزعامة عن طريق العنصرية عن وسيلة أخرى …العاوز يبقى فيها مالكوم اكس أو مانديلا يشوف ليه بلد غير السودان …وحادثة دلقو الأخيرة سوف تمر كما مرت المحاولات من قبلها …لكن تبقى المشكلة في القبائلية وموقف الدولة منها . .لابل وللأسف عودة الدولة إليها..القبائلية هي التي مزّقت الصومال ..الصوماليون كلهم من عنصر واحد ومن دين واحد ولغة واحدة لابل حتى مذهبهم الديني موحد رغم ذلك اقتتلوا لأن القبائلية عندهم مستفحلة …غداً إن شاء الله نختم بالقبلية…






