حاطب ليل
د. عبداللطيف البوني
عبد الله يا عبد الله
في هذا الأسبوع شاهد الناس في التلفزيون وفي السوشيال ميديا… السيد رئيس الوزراء ووالي الجزيرة ومحافظ مشروع الجزيرة وهم يدشّنون حملة حصاد القمح في مشروع الجزيرة …وتصدر الخبر الإنتاجية العالية للحواشة التي تم حصادها إذ بلغ فدانها ستة وعشرين جوالا ..وهي إنتاجية عالية تصل إلى درجة العالمية …انتشر هذا الفيديو لانه يتمتّع بابهار بصري عالي.. فإن تجمع لقطة لحاصدة حديثة (دقاقة) وهي تقوم بعملية مدخلات ومستخرجات في وقت واحد ..المشاهد يرى سنابل القمح الذهبية الجميلة وهي تتحوّل إلى جولات معبأة في دقائق ..ومع ذات اللقطة سياسيين كبار وتكنوقراط ومزارعين …لاشك أن هذا المنظر خلاّب …كما أنه يبعث في النفس الأمل والتفاؤل.
أما الاحتفالية فهي بدعة من بدع الإنقاذ ..وأنا هنا لا أود الحكم عليها إنما بصدد توصيفها …أما الخبر الرئيسي في المشهد وهو أن الفدان في الجزيرة يمكن أن ينتج أكثر من اثنين طن ونصف إذا أعطى المقادير المطلوبة من تقاوي محسّنة ومخصبات ومبيدات وكل الذي منه .. كما أن الفضل في الإنتاجية العالية هذة بعد الله يرجع للعلماء الزراعيين في بلادنا الذين طوروا هذة الإنتاجية بابحاثهم العلمية ..لقد كسروا احتكار البلاد الباردة لإنتاج القمح وجعلوه محصولاً مدارياً ..وقد انتقلت هذه التجربة السودانية إلى نيجيريا وطبعاً هناك أبدعت فيها لتوفر الامكانيات …
عودة إلى الاحتفالية وإن لم نخرج عنها … إذ يجب تجريدها من أي عملية احتيال وتدليس …إذ علينا أن نكون مدركين أن هناك حواشة وعلى بعد أمتار من الحواشة المحتفى بها… أي في ذات الرقعة من الأرض وتسقى من ذات الماء انتاج الفدان فيها أقل من خمسة جوالات …فإذا أردنا نعرف انتاجية الفدان من القمح في هذا الموسم علينا أن نستصحب كل المنتج مع كل المساحة ونخرج المتوسط …وأنا هنا أتكهن بأنها لن تبلغ العشرة جوالات على أحسن الفروض… ففي هذا الموسم واجهت زراعة القمح صعوبات كثيرة ..كما أن التكلفة كانت مرتفعة جداً…والمساحة المزروعة أقل من المعتاد …وسيكون العائد على المزارع ضئيلاً جداً هذا إذا كان هناك عائد …وهذه قصة طويلة ليست موضوعنا اليوم …
أما عريس الاحتفالية أي سيد الحواشة ذات الإنتاجية العالية والذي زهدت فيه الكاميرات فهو الصديق العزيز والمزارع العبقري ، عبد الله يوسف من قرية عديد البشاقرة بشمال الجزيرة ….عبد الله لمن لايعرفه صاحب الإنتاجية الأعلى في كل المحاصيل التي يزرعها على مستوى الجزيرة ..عبد الله بالإضافة إلى أنه صديقي وبلدياتي… فقد استضفته عدة مرات في برامج تلفزيونية ولقاءت صحفية ..لكي تعمٍم تجربته الخاصة ..وبالفعل أصبح مرجعاً لكثير من المهتمين وللذين يريدون زيادة الإنتاجية …فهو يزرع بحسابات دقيقة ويلتزم بكل الحزم التقنية وهو دائم التجديد والابتكار ..
عندما أدخل القطن المحور قبل عدة سنوات حقق عبد الله فيه كالعادة أعلى إنتاجية … فجاء مدير شركة التقاوي الهندية لزيارته في الحواشة …اقترح عليه عبد الله مضاعفة شجيرات القطن في السرابة الواحدة في الجزيرة عما هو عليه الحال في الهند ..لأن القطن في الهند مطري وفي السودان مروى أي الماء في السودان متوفر ..فطلب المدير من عبد الله أن يجرب هذا في الموسم القادم في مساحة فدان واحد فقط .. فقام عبد الله بالتجربة في فدانين بدل فدان واحد ..وفي وقت الحصاد جاء المدير لرؤية الحاصل فكانت النتيجة إيجابية ..حكى لي عبد الله… بأن الهندي فقد وقاره.. وأخذ ينطّط ويصيح كالمجنون.. ويضرب الأرض بكلتا يديه ويحضن شجرة القطن ..وبعد أن هدأ قال لعبد الله لقد وفّرت علينا تجارب حقلية كانت ستكلفنا الكثير …وأخذ عبد الله في زيارة للهند استغرقت شهرين رأى فيها الزراعة على أصولها وغمروه بالهدايا وكان أهمها وابور تراكتور …وهكذا يكرّم المبدعين…
وبمناسبة المبدعين من المزارعين كان هناك عمنا الراحل المقيم عبد الرحمن عبد السلام …المزارع بقسم وادي شعير … لما سمعت كثيراً بتفوقه… قمت بزيارته في قرية فرج الله بالقرب من مدينة طابت..كنت في معية إبن طابت صديقي البروف عبد اللطيف سعيد في ذات الرحلة… سألت العم عبد الرحمن ..سؤالاً مباشراً… لماذا يكون إنتاجه ضعف وأكثر من إنتاج جاره الذي لا بفصله عنه إلا (أبو ستة) أقل من متر …أجاب بكلمة واحدة التنعيم …ثم شرح بالقول إنه وعماله بعد عملية الحرث يقضي على كل (الدراب) وأحياناً يقوم بعملية التفتيت بيديه فهو لا يبذر البذرة الا بعد أن تصير الأرض نااااعمة …فسالته هل حضر إليك أحد من البحوث الزراعية ليفحص تجربتك هذه؟ …أما تلك السنة التي أنتج فيها السودان ما يكفيه من القمح فمن الأحسن أن ننساها لأنها تثبت أن علة هذه البلاد المنكوبة في نأسها …إن هذا السودان هو هبة الخالق التي أضاعها المخاليق.






