حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
فوبيا الامتحانات
مازلت أذكر ذلك اليوم ونحن في حالة قيلولة في الغرفة بالبركس دخل علينا زميلنا (ك) ..بوجه منقبض (وشو يلعن قفاه) كما نقول بدراجية وسط السودان …ولما لم نكن نعهده بذلك الوجه سأله أحدنا إن شاء الله مافي عوجة ؟فلم يجب ..فاتجهنا كلنا نحوه ياخي مالك الحاصل شنو ..فرد أبداً مافي عوجة …ياخي نحن عاجنينك وخابزينك ورينا الحاصل شنو ؟ وجهك ما طبيعي …حاجة بسيطة كده ..طيب ياخي ورينا الحاجة البسيطة دي شنو ؟ جاك جواب من الأهل ؟ هل الأهل بخير ؟وأخذت الأسئلة تترى وهو يتراوح بين بسيطة ومافي حاجة …وفي النهاية زهجنا منه وكل واحد فينا لزم سريره وساد الصمت ..لما شعر بأنه تسبب في في تلغيم الأجواء ..تجرأ وفتح الموضوع… يا جماعة والله خايف أقول ليكم وتقوموا تتريقوا علي… اها ياخي خلصنا وترتنا الحاصل شنو ؟ الحاصل وأخذ يتلعثم الحاصل انه الليلة امتحان الرياضيات في الشهادة السودانية جا صعب شديد …وانت مالك ؟ وضعه أبوك بالكوريق بتاعه ؟عالجه أحدنا …كيف ياخي أنا مالي ؟ فلانة (ذكر اسمها وهي خطيبته) ممتحنة ….أها عينك ما تشوف إلا النور انهال عليه الشبشب والمخدة والكتاب كلها في لحظة واحدة.. فما كان منه إلا أن خرج هارباً وهو يصيح ..أنا ما عارفكم عرب متخلفين ..غلطان أنا الكلمتكم ..
الشاهد في هذه القصة أن الامتحانات في ذلك الزمان كانت شاناً فردياً يخص الفرد الممتحن فقط.. ولا يهتم بما يدور فيها الآخرون مهما كانت درجة قرابته… ولا تشغل الرأي العام ولو بنكلة… ويكفي حتى طلاب الجامعة قريبي العهد بامتحانات الشهادة لم تعد قضية تشغل بالهم طالما أنهم تجاوزوها .
…جيلنا والأجيال التي سبقته معظمهم كان تدرجهم التعليمي أمر يخصهم لا شأن للأسرة به ..وكثيرون منا إلى أن تخرجوا من الجامعة لاتعلم أسرهم الصغيرة تفاصيل دراساتهم ..وقد لخص هذا أحد الزملاء بالقول نحن القراية دي شلناها رجالة بس …الواحد فينا داير يكون قدام بس والتانين ما يفوتوه .. والله امتحنت الشهادة وجبت قريد ون (الدرجة الأولى ) وكلها ديستنشن (امتياز) وانا ما عارف مودياني وين … أحد الأصدقاء استاذ جامعي نال الدكتوراة وفي تخصّص نادر من جامعة غربية عريقة اقسم بالله انه إلى أن ظهرت آخر نتيجة امتحان له في الجامعة ما كان عارف شروط التعيين لوظيفة مساعد التدريس…
أها تعال شوف اليوم العلينا دة كيف أصبح التعليم شأناً اسرياً و لم يعد هم الامتحان شأناً يخص الممتحن بل يخص كل الأسرة ففي نجاحه نجاحها وفي اخفاقع اخفاقها …دعك من المدارس الخاصة ..والدروس الخصوصية.. وحصص التركيز وحصص الاسبوتنق …فما هو الداعي لزفة الممتحن لقاعة الامتحان ؟ إذ تلاحظ أن الأمهات يصطحبن الابن أو الابنة إلى أن يدخل القاعة ..وينتظرن في الخارج على جمر تهبه الريح… وما أن يخرج من القاعة إلا وتندفع نحوه ..أها كيف.. أها كيف ؟ وعلى الإجابة يكون رد الفعل زغرودة أو لطم خد …حكى لي أحدهم أنه سمع احداهن وهي تصرخ بأعلى صوتها ..أحيييي عليك انت الما بتسمع الكلام …انا ما قلت ليك ركز على الاسبوتنق بتاع …ذكرت له اسم الاستاذ ..
لذلك لم يكن مستغرباً أن يكون موضوع امتحان التربية الإسلامية …في امتحان الشهادة الثانوية الجارية الآن مسيطراً على التايم لاين في الأسبوع الماضي… وتكون الشابة التي شكت من صعوبة الامتحان ومن جدية المراقبة ترينداً متفوقاً على أحداث الحرب السودانية وحرب الخليج وارتفاع الدولار مقابل الجنيه السوداني …
هذه الفوبيا الامتحانية ليست مؤشر خير وتدل على تراجع قيم الاتزان والثبات الانفعالي في المجتمع السوداني …وقد زادتها سيطرة الفضاء الإسفيري على الواقع ضراوة وضرراً …فالموضوع يحتاج إلى وقفة من المختصين الاجتماعيين والنفسيين لمعرفة موقع الخلل وكيفية المعالجة ..لا خلاف في الاهتمام بالتعليم والاهتمام بالتحصيل الأكاديمي ولكن هذه الفوبيا تدل على تشوّه وخلل في مكان ما …
التعليم الأكاديمي عندما كان شأناً فردياً …كان يكسب الفرد مكانة اجتماعية.. وكان أداة تحوّل طبقي فالمتعلمين في القرن الماضي كانت شهادتهم الأكاديمية جواز مرور إلى الطبقات العليا في المجتمع… وإلى زواج الحسناوات إلى أن وصل الفرز الاجتماعي …مرحلة الجمال والقروش والتعليم كوم والشنا والفقر والجهل كوم آخر …كما قال مكي سنادة في خطوبة سهير لمؤلفها حمدنا الله عبد القادر …في ظني هذا التمترس الطبقي الجديد هو سبب الكفوه فالخوف من الخروج من الكوم الأولاني هو سبب هذه الفوبيا ….لذلك يمكن أن تبحثوا على عن الحل في التنمية المتوازنة …شوفوا الزراعة الحديثة والطاقة الشمسية …..تاني جاب سيرة البحر ..






