حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
“القبة…البدري …الدعيتر ”
(1)
تكاثرت الظباء على خراش
فما يدري خراش ما يصيد
..هذا بيت من الشعر ولكنه أصبح مثلاً لأنه انتج حكمة لاتبلى مع الدهر وهي أن تعدّد الخيارات ليس كله رحمة ..فخراش هذا ذهب للصيد فكثرت أمامه الظباء فأخذ يتجوّل ببصره فيها ليختار أثمنها …فكلما هم بإطلاق سهمه نحو إحداها وقع بصره على أثمن منها.. إلى أن فرّت جميعها من أمامه… فعاد خاوي الوفاض ..
وهنا يقفز للذهن المثل السوداني البليغ (الحاجة أكان فاتت حدّها بتنقلِب لضدّها) ..فإذا كان تعدّد الخيارات له مضار فهذا يعني أن قلة الخيارات ليس كلها سوء ..فهي أحياناً تعجّل باغتنام الفرصة…فلو لم يجد صاحبنا خراش ..عندما خرج ما يصطاده من أول وهلة… وظل منتظراً ثم ظهرت له ظبية فلن يتردّد في إرسال سهمه نحوها ..ففلسفة البيت تقوم على أن الوفرة قد تبعث على التراخي بينما الندرة تبعث على الحزم وسرعة اتخاذ القرار..
تذكّرت هذا البيت الحكمة والذي اتخذته رمية.. عندما أمضيت ساعات في التجوال بين الأسافير ..وبعد أن فرغت من التسكع جئت لأكتب هذا المقال الراتب …فازدحمت في ذهني المواضيع التي يمكن تناولها من شتات ما قرأت وشاهدت في الأسافير… لدرجة غلبتني المفاضلة بينها …وأخيراً توكلت على الله وقلت أتناول أكثر من موضوع وبلمس خفيف …فالتمدّد الافقي قد يكون مفيداً مثلما للتمدد الراسي فوائد …والمثل يقول الكثرة غلبت الشجاعة … فدعونا نجرب هذه المرة في هذا الباب.
(2)
ازدحمت الاسافير بمقابلة أو بالأحرى بمصافحة الفريق البرهان الحارة للنور القبة العائد من التمرّد …والتي تدل على معرفة سابقة بين الرجلين ..ومع الصورة كان هناك خبراً بأن البرهان أهدى القبة عربته الرئاسية …تعدّدت وجهات النظر وتعارضت حول الموضوع وهذا شي طبيعي …الذي استخلصته من الكم الهائل الذي اطلعت عليه في الموضوع هو أن المصافحة الحارة وإهداء العربة.. قد أصبح هو الخبر أكثر من الانضمام نفسه.. .انشقاق القبة ليس هو الأول ولن يكون الأخير ..وقد تفقد عملية الانشقاق زخمها ..التصرّف الذي بدر من البرهان تجاه القبة ربما أراد به جذب المزيد من قادة التمرّد ..بالقول إن المكانة التي تتمتّعون بها في التمرّد سوف تجدونها هنا …وهنا تقفز للذهن ما يمكن تسميته بالسفيانية ..من دخل دار أبو سفيان فهو آمن …أي إنزال الناس منازلهم … أي من كان يحب الزعامة فلاتحرموه منها ….إن ما فعله القبة أثناء تمرّده شي فظيع وبالتالي الحفاوة به أمر ليس مريحاً… ولكن إذا نظرنا إلى الأمر نظرة كلية سنجده في محصلته النهائية يصب في صالح البلاد والعباد لأنه يعجل بانهيار التمرّد …. وبالتالي يعجل بإنهاء الحرب بكل فظائعها
( 3)
شاهدت الخطبة التي قال فيها الشيخ موسى البدري إن القرآن الكريم به قطيعة أي نميمة…كما شاهدت الجلسة التي اعتذر فيها البدري عما قاله …لأنه قد تمّت مراجعته من بعض شيوخ السلفية الذين ينتمي إليهم …جلسة الاعتذار هذه كان ينقصها الكثير ..فالأمر أمر دين …والمعتذر عنه لا يتعلّق ببشر إنما …أما أن يكون الشيخ قد ارتكب إثماً وهذا يوجب الاستغفار وليس الاعتذار …أما إذا فُهم ما قاله البدري انه صك أذان السامعين فهذا يوجب أن يتم توضيح وجه الخطأ فيما قاله… و ماذا قال له من راجعه …حتى تعم الفائدة لاسيما وأنه يقول إنه داعية ..فهذا يدخل في صميم الدعوة …أما هجومه الكأسح على الصوفية والذي أخذ معظم الوقت فلا مكان له من الإعراب ..لأن الصوفية ليس لها صلة بالموضوع ..ولم يكن أمامه شيخ صوفي ليجادله فيما قاله …
(4)
حزنت غاية الحزن للرحيل المفاجئ للفنان الممثل مختار بخيت الدعيتر …كنت كلما أجد مقطعاً كوميدياً لهذا الفنان أتوقف عنده لروعة تمثيله ..وإجادته للتشخيص… وكنت أظن أن الدعيتر اسم فني… لذلك عندما قرأت نعيه شعرت بأنني فقدت نجماً ما كنت أدري أن إعجابي به كبيراً جداً ..لقد شعرت بأننا كمتلقين نظلم الدراما والدراميين كثيراً.. ولا ننزلهم المنزل الذي يليق بهم …فهؤلاء الفنانون يقومون بدور عظيم في بناء الأمة السودانية …وهم كفنانين بخاطبون الوجدان …والذي يشك في الأثر الذي يمكن أن تحدثه الدراما في البناء القومي… فاليشاهد الدراما الجنوب سودانية ليرى كيف أنها امتداد للدراما السودانية الأم ….وهذا موضوع يحتاج لوقفة أطول …رحم الله الممثل مختار بخيت وجعل قبره روضة من رياض الجنة.






