جدل متصاعد بشأن تجولهم في العاصمة مجدداً
المنشقون من المليشيا..مخاوف مشروعة
تساؤلات عن آلية الاستيعاب والدمج والتسريح
النور القبة بعث بتطيمنات في حوار مع “الكرامة”
معايير إستخباراتية في التقييم والاستسلام.. شروط صارمة
خبراء يمتدحون تحييد القيادات والقوة المؤثرة.. اختراقات
خبير عسكري : الحل في تفكيك التشكيلات وإعادة بناء الأفراد
تقرير: هبة محمود
مع توالي انشقاق قيادات تابعة لمليشيا الدعم السريع وانضمامها للجيش السوداني مؤخراً، بدأت المخاوف والتساؤلات تترى بشأن واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً، وهي كيفية تعامل الدولة مع هذه المجموعات المنشقة من ناحية عسكرية وأمنية واستراتيجية.
وفيما ينظر مراقبون إلى أن عمليات التحييد هذه لقيادات لها وزنها داخل المليشيا، تعتبر مكاسب كبيرة تضعف من صفوفها وتمثل اختراقاً واضحاً في بنيتها وتآكلاً في تماسكها القيادي والميداني، يبرز السؤال الأهم حول إعادة التشكيل والسيطرة على هذه القيادات العائدة في شكل قوات ومجموعات وليست أفراد؟!.
وعلى الرغم من أن العفو العام الذي أطلقه رئيسا مجلس السيادة لم يزل قائماً، إلا أن المخاوف برزت حول عودة المليشيا مجدداً إلى العاصمة من خلال هذا الباب عبر مجموعة من الانسلاخات المتوالية.
وتفتح بالمقابل هذه المخاوف تساؤلات حول كيفية التعامل مع هذه المجموعات التي يرى كثيرون أن ابقاؤها في المدينة وهي تحمل عقيدة قتالية مختلفة ذات ولاء للقائد، أمر يعيد إنتاج النموذج القديم لمليشيا الدعم السريع الذي ظل حتى لحظة تمرده قوة مساندة لها وضعها ومكانتها.
مخاوف وشروط إستخباراتية
إعادة الدمج والتسريح داخل الجيش، بجانب وضع السلاح وخلع زي مليشيا الدعم السريع، هو أمر وفق مراقبين يمثل اختبارا حقيقيا لهذه القوات المنشقة، مؤخراً.
إذ يرى كثيرون إن واحدة من أسباب الأزمة في السودان، تكمن في تعدد الجيوش وإنتاج الملايش، ما يجعل هذه الانشقاقات تمثل تحدياً كبيراً للدولة السودانية في ظل الوضع الاني الذي تشهده حالياً.
وأثارت حالة الخوف التي صاحبت انضمام كل من النور القبة والسافنا، حالة من التباين والانقسام بشأن الآلية في كيفية التعامل واستيعاب هؤلاء العائدين، مع مخاوف من انسلاخات متتالية تضعف المليشيا لكن تعود بها إلى العاصمة الخرطوم مجددا، قبل أن تكشف مصادر عن وضع الاستخبارات العسكرية شروطا لقبول عملية الاستسلام للقوات أو القادة الميدانيين الذين يرغبون في الانشقاق من قوات الدعم السريع والانضمام إلى الجيش.
وبحسب منصة شاهد عيان فإن عملية التقييم تشمل عدة معايير، أبرزها حجم القوة، ونوعية العتاد، إضافة إلى التأثير والأهمية الميدانية للقائد.
وأمس تواترت أنباء عن انشقاق القائد المتمرد العميد “عبدالله شغب” هو ومجموعته من مليشيا الدعم السريع، الأمر الذي زاد من حدة المخاوف والتساؤلات.
فرصة استراتيجية
ومن جانبه يرى العميد الركن دكتور جمال الشهيد – الخبير الاستراتيجي المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية – إن هذه اللحظة تمثل “فرصة استراتيجية نادرة” لإعادة تشكيل المشهد الأمني في البلاد، شريطة أن تُدار بعقلانية الدولة وليس بردود أفعال الميدان.
ويؤكد الدكتور الشهيد في حديثه لـ “الكرامة ” على أن استيعاب المنشقين لا يمكن أن يتم بصورة عشوائية أو تحت ضغط الواقع العملياتي، بل يجب أن يخضع لعملية دقيقة تبدأ بالفرز الأمني الصارم، لضمان عدم تسلل عناصر قد تشكل تهديداً مستقبلياً داخل مؤسسات الدولة.
ونصح في السياق بضرورة التعامل مع ملف المنشقين بأقصى درجات الجدية والانضباط، بعيداً عن أي مجاملات أو حسابات مرحلية، لأن أي خلل في هذه المرحلة، بحد تعبيره قد ينعكس سلباً على استقرار الدولة لسنوات طويلة قادمة.
ويرى أن الحل الأمثل يكمن في تفكيك هذه التشكيلات، وإعادة بناء الأفراد وفق معايير مهنية صارمة، بحيث يتم استيعاب المؤهلين فقط داخل القوات النظامية، بينما يُوجَّه الباقون إلى برامج نزع السلاح وإعادة الدمج في الحياة المدنية.
جيوش موازية
وفيما تعتبر عملية الدمج داخل الجيش وتكوين جيش قومي واحد، هو رؤية وخيار الكثيرين لكل العائدين وكذا بقية القوات المقاتلة والمتحالفة مع الجيش السوداني، يرى خبراء عسكريين أن الأمر من الخطورة بمكان.
فبحسب العميد جمال الشهيد فإن فكرة نقل الكتلة المسلحة كما هي إلى داخل الجيش تمثل خطراً استراتيجياً، موضحاً أن التجارب السابقة في السودان وعدد من الدول الإفريقية أثبتت أن الدمج غير المنضبط يؤدي إلى خلق جيوش موازية داخل المؤسسة العسكرية.
وشدّد على أن القيادات التي تستمد نفوذها من هذه التشكيلات لا يمكن الإبقاء عليها بذات الصيغة، لأن ذلك يعيد إنتاج الأزمة داخل مؤسسات الدولة، مؤكداً أن هيبة الدولة لا تكتمل إلا بإنهاء مراكز القوى الموازية.
ومن زاوية قانونية وأخلاقية، يرى العميد الشهيد أن مسألة العفو يجب أن تظل مرتبطة بشروط واضحة، وعلى رأسها التخلي الكامل عن حمل السلاح وعدم التورّط في جرائم جسيمة، مع ضرورة أن يكون هذا العفو محدد الإطار الزمني حتى يحقق أهدافه في تسريع وتيرة الانشقاقات.
تطمينات
وازاء تلك المخاوف بثت قوات درع السودان بقيادة ابو عاقلة كيكل تطمينات ، إذ طالبت بتوحيد ودمج كافة الفصائل العسكرية في جيش وطني مهني ،وقالت قبل يومين إن رؤيتها تقوم على توحيد ودمج كافة الفصائل والتشكيلات العسكرية في إطار الجيش الوطني الواحد المهني، الذي يعبر عن كل السودانيين، ويقوم على عقيدة وطنية خالصة، تحت قيادة موحدة، بما يعزز سيادة الدولة ويحفظ الأمن والاستقرار.
وقبل ذلك أعلن رئيس حركة جيش تحرير السودان مصطفى تمبور تأييده لقرار دمج المجموعات المسلحة داخل المنظومة الأمنية والعسكرية.
وأكد تمبور خلال تصريحات الشهر الماضي أنهم سيكونون من أوائل المنفذين للقرار، مشددًا على عدم السماح بوجود أي سلاح خارج سيطرة القوات المسلحة، والتصدي لأي محاولة للتمرد على الدولة مستقبلاً.
إختراق بنية المليشيا
من جانبه يري الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عمار العركي أن ما يحدث الآن داخل المشهد يمكن قراءته في مستويين الأول إيجابي قصير المدى، حيث تمثل الانشقاقات و الانضمامات للجيش اختراقًا واضحًا في بنية المليشيا، خاصة عندما تأتي الانشقاقات لقادة مؤثرين كالنور قبة والسافنا، وبوحداتهم كاملة بسلاحها وعتادها، وهو ما يعزز ميزان القوة لصالح الجيش، ويمنحه أفضلية ميدانية ومعنوية، لكن الأخطر بحد تعبيره يتعلق بما بعد الانشقاق هو كيفية توفيق اوضاع تلك القوات وكيفية إدارتها خاصة داخل المجال المدني الحساس مثل الخرطوم وأم درمان، حيث لا تحتمل البيئة الأمنية وجود تشكيلات غير منضبطة أو متعددة الولاءات.
ويذهب عركي في إفادته لـ ” الكرامة ” إلى أن المشكلة الجوهرية تكمن في إعادة التشكيل والسيطرة والضبط لهذه القوات التي لم تأتِ كأفراد ، بل ككتل قتالية لها قياداتها الداخلية، وشبكاتها، وثقافتها القتالية الخاصة التي تشكلت داخل بيئة مليشاوية.
ورأى أن إبقاؤها كما هي في المدن والحضر يحمل مخاطر إعادة إنتاج نفس النموذج الذي نشأ به الدعم السريع أساسًا كقوة مسلحة موازية، حتى وإن أعلنت ولاءها.
وشدّد على ضرورة أن آلية توفيق الأوضاع لا يمكن أن تكون شكلية أو سريعة، بل تحتاج إلى مسار صارم متعدد المراحل.
وتتمثل أولى هذه المراحل بحسب عركي في التفكيك التنظيمي، أي كسر البنية القيادية الداخلية لهذه الوحدات، وعدم السماح ببقائها كوحدات متماسكة تحت نفس القادة. يلي ذلك إعادة الفرز الأمني والاستخباراتي، لفحص الخلفيات والارتباطات، خاصة أن بعض هذه العناصر قد تكون لها امتدادات معقدة. ثم تأتي مرحلة إعادة الدمج الفردي داخل وحدات الجيش النظامية، وفق عقيدة عسكرية منضبطة، وليس ككتلة مستقلة.
سلاح ذو حدين
وبشأن مسالة الدمج والتسريح والحديث لـ”عركي” فإن جمع السلاح وخلع زي مليشيا الدعم السريع ، يعتبراختباراً حقيقياً لجدية هذه الانشقاقات، إذ أنه من غير الواقع توقع تخليهم الفوري عن السلاح، لأنه يمثل بالنسبة لهم عنصر الأمان والوزن التفاوضي. لكن في المقابل، لا يمكن السماح ببقائهم مسلحين خارج هيكل السيطرة العسكرية الرسمية.
وتابع: الحل هنا يكون تدريجياً في تسليم السلاح الثقيل أولًا، ثم تنظيم حمل السلاح الخفيف داخل معسكرات محددة وتحت إشراف مباشر، إلى حين اكتمال عملية الدمج. أما الزي، فهو مسألة رمزية لكنها مهمة، لأن الاستمرار في ارتداء زي الدعم السريع يعني استمرار الهوية السابقة، بينما تغييره يمثل بداية التحول النفسي والمؤسسي.
ويشير في ذات المنحى إلى أن هذه الانشقاقات تعتبر سلاح ذو حدين يمكن أن تسرّع الحسم إذا أُديرت بصرامة وذكاء، ويمكن أن تتحول إلى قنبلة موقوتة داخل العاصمة إذا تُركت دون ضبط. الفارق بين السيناريوهين ليس في نوايا المنشقين، بل في قدرة الدولة على فرض نموذج واحد للسلاح والقيادة والسيطرة دون استثناء.
السافنا والقبة
والاسبوع الماضي أعلن اللواء النور أحمد آدم، الشهير بـ “النور القبة”، أحد أبرز القادة العسكريين في مليشيا الدعم السريع، والرجل الثالث بعد حميدتي وعبد الرحيم انشقاقه عن القوات، وتسليم نفسه للجيش السوداني في بورتسودان، إذ تم استقباله من قبل رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان.
وبعد أيام من استسلام النور القبة كشفت عسكرية أمس الأول عن إنشقاق القائد الميداني في قوات الدعم السريع، علي رزق الله المعروف بـ”السافنا”، ا برفقة قواته وانضمامه إلى الجيش ، في خطوة مماثلة لخطوة القبة لك يتم التأكد منها بعد ، ويتوقع مراقبون أن تحمل الايام القادمة المزيد من الانشقاقات عقب تقهقر صفوف المليشيا.
رسائل القبة
وبدوره بعث القائد المنشق النور القبة بتطيمنات في حواره أمس الأول ل”الكرامة” ،وقال إن توجيهات صدرت بترتيب قواته وفقاً لتوجبهات القوات المسلحة وسينخرطوا تحت امرتها وأكد على صدور أوامر لقواته بجمع الأسلحة وحلاقة الشعر وعدم التجول في الأحياء والمدن ،وتبدو رسائل القبة إجابة بشأن هذه المخاوف التي برزت مؤخراً.






