حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
التسريبات والمسيّرات
(1)
عند الرعاة في وسط “السَربة” وتعني أخذ الحيوانات إلى المرعى ليلاً لكي تلتهم العشب بأكثر من المعدل ليزداد وزنها ليتم تسويقها بسهولة …بعبارة أخرى خديعة الحيوان لكي يكثر من الأكل ..وأحياناً تعني التعدّي على زروع الآخرين .. ففي الحالتين “السَربة” تحمل في طياتها التدليس والاحتيال …في الأغنية الكردفانية (زولاً سَرب سًربة وخته الجبال غربه…أدوني لي شربة خلوني النقص دربه) أي خرج بالليل خلسة …ولن ألحق به إلا بعد تعاطي الشراب … حراماً كان أم محاية…فالشغلانة في مجملها ليست حميدة.
أما هذه الأيام فقد كثرت التسريبات في حياتنا وهي تعني خروج المعلومة بصورة غير رسمية من مصدرها أو من مصدر مناوئ له …فإذا سرّبها مصدرها يكون الهدف من التسريب جس النبض أو إرباك الخصم ..وإذا خرجت من الخصم يكون الهدف الافشال أو تأليب المعارضة …ففي جميع الأحوال التسريب أو التسريبات فيها مجانبة ومدابرة للشفافية والوضوح …ولكن مهما كان رأينا السلبي فيها فقد أضحت وسيلة من وسائل العمل السياسي …تمارسها الحكومات وتمارسها المعارضات .
(2)
هذه الأيام “التايملاين” السوداني يعج بالتسريبات ومن كافة الفاعلين في الحياة السياسية السودانية …وما أكثر الفاعلين في أزمتنا الحالية …والتي يميّزها أن الدولة السودانية لم تعد الفاعل الرئيسي …فالمكوّن الخارجي أصبح هو صاحب النصيب الأكبر في شأننا السوداني …ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم …الحرب استنزفت قوى الداخل …والخارج يؤجج في نيران الحرب ويده في الماء بينما يدنا على النار …لكن أراد الله أن تندلع الحرب الأمر إسرائيلية /إيرانية …فعمّت المسيرات الكثير من أجواء الشرق الأوسط ..ولم تعد مروي وكوستي وربك والأبيض وحدها التي تتراقص المسيرات فوق سماؤها …فاللهم لا شماتة …بالطبع كان يمكننا أن نستعصم بالمقولة الشعبية (الموت مع الجماعة عرس) ولكن إلحاق حربنا بالحرب الكبرى في الشرق الأوسط قلّل كثيراً من الملكية الوطنية لحل مشاكلنا …فالبوارج الحربية وحاملات الجنود والصواريخ الباليستية والمسيرات أصبحت على فركة كعب مننا …خلاصة القول هنا أن حربنا الداخلية كادت أن تفقد استقلاليتها وتصبح ملحقة بالحرب الكبرى حولنا ..وكل الهامش الذي نتمتّع به الآن هو الذي تتيحه التقاطعات بين أقطاب الحرب الكبيرة.
(3)
التقدّم في الميدان العسكري كان ومازال هو الضمان للملكية الوطنية للحل السوداني… والحمد لله كل المعطيات والدلائل تشير إلى أن القوات المسلحة… نارياً واستخبارياً قلّلت كثيراً من مساحة الجغرافيا السياسية للمعتدين… ولكن كما ذكرنا أعلاه إن الميدان العسكري المحلي أصبح يحيط به ميدان عسكري أكبر منه … وبالتالي انفتح المجال للصراع السياسي والدبلوماسي ….
فبدأت التسريبات تسري من الخارج في المقام الأول ثم تسريبات رد الفعل الداخلي …لقد أصبحت هذه التسريبات تحل محل المسيرات …التسريب الكاسح هذه الأيام إن هناك رؤية أمريكية مسنودة إقليمياً أو إن شئت الدقة رؤية أمريكية عبر قوة إقليمية لوقف الحرب في السودان . …وأن هناك هدنة يعقبها وقف لاطلاق النار ثم تفاوض سوداني /سوداني ومن ثم انطلاق عملية سياسية شاملة …وكل الدلائل تشير إلى أن الحكومة السودانية لم تعلن حتى الآن موقفها من هذه التسريبات ..في مؤتمرات لندن باريس وأخيراً برلين كان موقف الحكومة واضحاً ..من الرباعية كذلك كان موقفها واضحاً…أما الآن فتسريبات الحكومة تقول أنها تدرس الوضع …وتتفاوض مع جهات متعدّدة …وأن الولايات المتحدة أمنت على عدد معتبر من النقاط التي طرحها السودان …ومازالت التسريبات تترى .
(4)
لئن قلنا إن مناخ الحرب الكبيرة انعكس على حربنا السودانية …فهذا يعني أن الضبابية ستظل مسيطرة على وضعنا لأن قصة الحرب الكبيرة لم تضع نقطة على سطرها الأخير بعد …أبواب نهايتها مفتوحة على احتمالات متعدّدة ..لذلك ستظل نهاية حربنا مفتوحة على احتمالات متعدّدة هي الأخرى …وقد لانصل مرحلة القول إن ٩٩٪من أوراق حربنا بيد الآخر الخارجي …ولكن المؤكد أن أوراق حلنا بنسبة كبيرة أصبحت بيد الخارج… اللهم إلا إذا حدث ما يغيّر قواعد اللعبة هنا أو هناك ..فإن يكن زمن المعجزات قد انتهى فإن زمن المفاجأت لازال موجوداً ….فإلى حين أن تحدث مفاجأة سنكون أسرى للتسريبات …ومرحلة التسريبات كثيرة الشك قليلة اليقين …بالتالي سلبياتها أكثر من إيجابياتها …فهي مرحلة سيولة ….قابلة للتحوّل للمرحلة الغازية وقابلة كذلك لمرحلة الصلابة ..والفرق بين العصيدة المديدة (هيِن من الدقيق) …فإلى أن يحدث شي من هذا أو ذاك فالنغني مع زيدان (خليك واضح يا جميل …وأحكي لي عن كل الحصل) أو كما غنى ..






