حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
“الليلة يستقبلني أهلي” “2”
( 1)
المجتمعات الزراعية مهما كانت نكبتها تتعافى بسرعة ..لأن عنصر الإنتاج الأول فيها الأرض …فطالما أن الارض موجودة لم يتبق إلا الماء فبمجرٍد نزول الأمطار تكون دورة حياة جديدة قد بدأت… فما على المزارع الا أن يبذر البذرة وينتظر المطر وهكذا إلى وقت الحصاد …هذا في مناطق الزراعة المطرية ..أما مناطق الزراعة المروية فالمطر أيضا يلعب دوراً حاسماً لكنه غير مباشر… إذ ياتي الماء عبر القنوات القادمة من الخزان… والخزان نفسه يحول الماء من النهر … والنهر يتكوّن من ماء أمطار هطلت في مكان آخر …لذلك يصبح المطر هو الفاصل بين الخصب والجفاف وليس القنوات …وبحمد لله كانت معدّلات الأمطار عالية في سنوات الحرب هذه مما ساعد على الزراعة في القطاعين المطري والمروي … وهذا هو سبب بقاء الدولة السودانية في عضمها ..فلو كان السودان بلداً صناعياً أو معتمداً على التجارة أو السياحة مع هذه الحرب لراح فيها ..فالحمد لله على نعمة الزراعة مهما كانت متخلّفة وهذة قصة أخرى ..
(2)
الناس في الجزيرة زرعوا الموسمين الصيفي والشتوي …وقد كان معدل الأمطار في الصيفي عالياً لدرجة أن الري عبر القنوات كان هو التكميلي ..كما أن معدل الأمطار العالي وفّر ماء الخزان للموسم الشتوي ..والحمد على نعمة المطر الذي حفظ الله به السودان….
وجدت الناس في قريتنا قد استعادوا لياقتهم النفسية والمادية … لأنها مرتبطة بالزراعة …كانت الإنتاجية متدنية لعدم توفر عناصر الإنتاج من مخصّبات ومبيدات مع عدم وجود التقاوي المحسنة ومع ذلك زرعوا وحصدوا …ليسوا كلهم مزارعين .
ولكن الزراعة قاطرة اقتصاد إذ حركت قطاع النقل وقطاع الخدمات وقطاع التجارة …فالأسواق مزدهرة بصورة غير عادية …سوق قريتنا الذي كان ينتهي عند التاسعة صباحاً أصبح يعمل طوال اليوم والى ساعات المساء ..تاتيه البضائع والمحصولات والأنعام من كل الأنحاء …سوق مسيد ود عيسى وهو سوق منطقة .. تضاعف حجمه عدة مرات ..وهنا يظهر خروج الخرطوم من المعادلة الاقتصادية …أما أسواق الحصاحيصا ومدني فلا مقارنة بين وضعها الحالي ووضعها أثناء الحرب بل وقبلها … مدن ولاية نهر النيل تحوّلت إلى قلاع صناعية بالإضافة لنشاطها التجاري المزدهر أصلاً لأن الحرب المباشرة لم تصلها …هذا التموضع التجاري والصناعي الجديد يمكن اعتباره من إيجابيات الحرب لأن الخرطوم بوضعها القديم كانت محتاجة إلى تنفيس …لقد كان شحمها ورم …كان الواحد من منطقة شمال الجزيرة إذا اراد شاحن موبايل لا يجده إلا في الخرطوم …اليوم الموبايل الجلاكسي والهونر معروض في سوق القرية …فوجئت بوجود محل لمعروضات الخندقاوي في المنطقة …نتمنى من القلب عودة الخرطوم وأسواق الخرطوم لكن للتجارة النوعية …ليس (كرش فيل) كما كانت …
(3)
ما ذكرناه أعلاه من استئناف للزراعة وازدهار للتجارة لايعني أن الناس يعيشون في ورفاهية وبلهينة من العيش …الأسعار مرتفعة والغلاء طاحن …وبعض الأسر عايشة على الكفاف…. ولكن كل هذا مرتبط بالسياسات الاقتصادية الكلية للبلاد ..مرتبطة بسعر الصرف والدولار الجمركي والجبايات الكثيرة وصفافير الطريق والفساد (المصلّح) ..فإذا لم تتخذ سياسات مالية رشيدة لن تتحسّن الأوضاع ولن ينعم الناس بالراحة …لكن هنا القصة نسبية فأنا أتحدث عن منطقة عاشت هذه الحرب المدمّرة منذ يومها الأول…. ولحقها من الخراب والدمار ما يفوق الوصف …والآن رغم أن الحرب لم تنتهي ولم يمضي إلا عام وبضعة أشهر من تحريرها بواسطة قوات الشعب المسلحة من الدعامة …تعود وتزدهر مثل طائر الفينيق الذي نفض جناحيه من رماد النار التي حرقته ليحلق عاليا …ما هذا إلا معجزة في تقديري ..
(4)
لقد غادرت قريتي بعد تحريرها بعدة أسابيع تحديداً في نهاية فبراير ٢٠٢٤م ..خرجت منها لعلاج العين والظهر وحاجات تانية حامياني…فقد كانت المنطقة زيرو خدمات طبية ولعامين متتاليين … خرجت منها بشنطة أقرب للبقجة ليست لي بل تركها الدعامة في منزلي بعد شفشفته… وفي عطبرة أكلت موز بعد غياب سنتين منه … وفي بورتسودان اشتريت جلابية للغيار ومركوب وصديري … الحمد لله على نعمة الأبناء في الخارج وبنكك… وذهبت لمستشفى مكة للعيون حيث لقيت المواساة قبل العلاج ..ومن بورتسودان الي السعودية ثم مصر وأعود اليوم لأجد القرية والمنطقة بهذة الصورة بالله عليكم دايرني أعمل شنو ؟ غير أقبل ترابها …وأبكي وأبكي ثم أبكي وأغني مع وردي والحلنقي في عصافير الخريف (ورجعت خليت الدموع يرتاحوا مني و ينزلوا) … وأحمد الله كثيراً على أنها عادت الي حيويتها بأحسن مما كانت ..كل هذا بدون أية مساعدة من الدولة …كل هذا بقوة ودينماكية هذا المجتمع الحيوي …فكيف كان سيكون الحال لو عندنا دولة راشدة وحكومة ذات فاعلية ؟..نواصل بإذن الله.






