حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
شكراً شعبي
(1)
كانت الجماهير تهتف للرئيس نميري ….. أبوكم مين ؟نميري …قائدكم مين ؟نميري …ريسكم مين ؟نميري …بعضهم جاد وبعضهم هازل …ولكن النميري كان يطرَب لهذا الهتاف ..وعندما يستبد به الطرب كان يقطع خطابه يربت على صدره قائلاً شكراً شعبي شكراً شعبي …أجد نفسي وعلى خطى نميري أقول شكراً شعبي …شكراً على متابعة الاعمدة الخمس الأخيرة التي كتبتها هنا من الأحد الماضي إلى الخميس الاخير… والتي كان موضوعها عودتي للبلاد بعد رحلة طويلة تجاوزت العام بثلاثة أشهر ..تلك الرحلة التي اعقبت تحرير الجزيرة من احتلال الدعامة لها الذي كان قد تجاوز العامين .
كانت مادة المقالات مكرّسة للتجربة التي عاشها الكاتب طوال سنوات الحرب الثلاثة التي انصرمت… اثنان داخل الكتمة وثالثة في التسفار …فالحرب طالما أنها مستمرة فهي موجودة داخل اي سوداني في حله وترحاله … ومن يظن أن وجوده خارج السودان يعني أنه خارج دار الحرب السودانية فاليراجع سوداناويته …والكتابة عن حرب جارية كالسير في الرمال المتحرّكة . ..والكتابة عنها في هذه المرحلة أقرب لتدوين اليوميات …وهذه اليوميات تعتبر مادة أولية وأساسية للتناول التاريخي وغير التاريخي لها لاحقاً ومن هنا تأتي أهميتها ..
( 2)
مادة المقالات الخمس وإن كانت تجربة شخصية إلا أن الظرف الذي عاشه الكاتب عاشه مثله ملايين السودانيين ..فجغرافيا الحرب السياسية تشمل كل السودان …بعض الأجزاء بصورة مباشرة…. وبعضها بصورة غير مباشرة … وإن كانت المُسيّرات لم توفّر جهة من جهات السودان الأربعة إلا وصلتها …عليه تصبح تلك المقالات مجرّد نموذج لشي عام …وليس فيها أدنى درجة من الخصوصية اللهم إلا في الاسلوب وكيفية التناول …بالطبع كان هناك تفاوت في وقائع الحرب اليومية من جهة إلى أخرى ،فود النورة غير الهلالية ..والسريحة غير اللعوتة …مع أن كل الجزيرة تتفق في أنها نالت قسطاً وافراً من الأموال و المآسي والفظاعات ..أما الدمار والخراب في البنيات الأساسية … من مصادر مياه ومصادر طاقة ومصادر رزق فقد طال كل البلاد.
(3)
الذي أسعدني في متابعة تلك المقالات ليس إعادة نشرها على نطاق واسع فحسب بل التجاوب معها بالتعليق والمجاراة… فكثير من السادة القراء علّق على المقالات متناولاً تجربة متفرّدة مر بها المعلق …فهناك تجارب أفظع من تجربة الكاتب وهناك ما هو أقل منها فظاعة …وكذا في التعافي يوجد نفس التفاوت ..ولكن هناك اتفاق في الملمح العام …وذلك لأن مصدر العدوان واحد ومنهجه واحد …..الحروبات التي غيّرت من تاريخ السودان كثيرة جداً ولكن عندما يتناولها المؤرخون يكتفون بذكر النخبة أي السياسيين الذين قادوا تلك الحروبات …أها الحرب دي لم تفرّق بين سياسي ومسيوس ..بين سيد ومسيود …فإذا كانت رئاسة الدولة محبوسة في مبنى لايتعدى الأمتار فطبيعي أن يكون الشعب محبوساً في سجون وزنازين ما أنزل الله بها من سلطان …لقد وقعت على الكافة …فهل نتركهم أم نؤرخ لهم …علماً بأن كتب التاريخ لا تحتوي غير أسماء الملوك .
(4)
أمران خرجت بهما من التعليقات الثورة على المقالات أولها …أن هناك أشواق شعبية حقيقية لتوثيق مجريات هذه الحرب حتى لايضيع تاريخها كما ضاع تاريخ غيرها …إن ضياع تاريخ حرب أو حروب سابقة هو الذي مهّد لوقوع هذه الحرب …فلو كتب تاريخنا القريب بحِيدة وموضوعية لأفرز أجيالاً لها قدرة على التمييز …إن التدليس والاحتيال في كتابة التاريخ أفرزت جيلاً مصاباً بالعمى التاريخي …لذلك ستظل حركته دائرية إلى أمد سيطول …الأمر الثاني إن تثبيت يوميات هذه الحرب أي ذكر وقائعها أول بأول …لا يعني تقليب مواجع.. ولا يعني تحفيز للثأر بل يعني اطلاع المعتدي على ما فعلت يداه لعله يدرك ويتخلّص من غسيل الدماغ الذي حدث له ..
إن تدوين التجارب الفردية والجمعية لهذه الحرب لا يعني كتابة تاريخها إنما يعني الإمساك بالمادة الخام…التوثيق غير التأريخ …فالتاريخ علم اجتماعي له مناهجه وله مختصيه…لكن حتما سوف يستفيد المؤرخون من المادة المدوّنة…ليس المؤرخون وحدهم …كل الممتهنون لكافة ضروب المعرفة سوف يستفيدون من المادة المدونة ..الاقتصاديون وعلماء السياسة وأهل المسرح والدراما وأهل القانون وعلماء النفس وأهل الطبابة وأهل الهندسة ..كل المطلوب الآن توثيق التجارب حار حار ..لتصبح وثائق وفيما بعد يأتي التحقّق والتوزيع على كافة ضروب المعرفة …كل الذي أتمناه أن تكون المقالات الخمسة المشار إليه تحفيزاً للآخرين لتدوين تجاربهم مع الحرب وإنني لعلى ثقة بأن سيظهر موثقين يقولون لنا (انتو شِن بتعرفوا) وحتماً سوف نتعلّم منهم الكثير إذا مد الله في الآجال .






