حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
عابدين …ترحيب مشوب بالحذر
(1)
القرار الذي تأخر كثيرا ثم أحاطت به الشكوك هو قرار أنشاء هيئة النزاهة والشفافية الذي جاء مردوفاً بتعيين السيد الفريق معاش عابدين الطاهر رئيساً لها ..قلنا أنه تأخر لأن الفراغ السياسي الناجم من عدم وجود حكومة منذ أكتوبر ٢٠٢١ إلى يوم تعيين حكومة إدريس في ٢٠٢٥ استغلته القطط السمان وعاثت في الأرض فساداً…فساداً أزكم الأنوف وسارت به الركبان ..وقد كان مؤملاً أن يكون أول قرارات حكومة كامل أديس متعلّق بمحاربة الفساد… ولكنها للأسف لم تفعل ..وللأسف الشديد هذه الحكومة التي سميت حكومة الأمل لم تقنع المواطن حتى الآن أنها أمسكت بخيط من خيوط الأمل ..أما الشكوك فقد أثيرت حول قانون الهيئة ومدى دستوريته وصلته بهيئة سابقة كانت تسمى مفوضية محاربة الفساد واسترداد الأموال العامة لعام ٢٠١٦، ثم أثير شكا آخر يتعلّق بتعيين رجل الشرطة عابدين الطاهر ..بعضهم قال إن المنصب أولى به رجل قانون وبعضهم قال إن عابدين مارس دور الناشط السياسي بعد انتهاء مدة خدمته الشرطية
في ظني أن كل هذه الشكوك مردودة فتأخر قرار إنشاء الهيئة ..تلافيه ممكن بتفعيل وتسريع عمل الهيئة ..ثم ثانياً أن تاتي متأخراً خير من أن لاتأتي نهائياً.. أما تعين الفريق عابدين ينبغي ألا يكون مكان شك فهو رجل قانون بحكم انه رجل شرطة … والأهم أنه خلال ممارسة نشاطه الشرطي كان قد برع في المباحث الجنائية… وهو عمل على تماس واضح مع مكافحة الفساد… ولكن الأهم أن السيد عابدين لايعمل بمفرده إنما يعمل ضمن مؤسسة بها أعضاء ومستشارين ويمكنها أن تستعين بكافة التخصصات …إذن الشكوك التي احيطت بهذة الهيئة الوليدة ورئاستها ليست في مكانها… ويمكن حملها على سؤ النية
(2)
في كل دول العالم وبدون أي استثناء توجد أجسام اعتبارية عملها الرئيسي مكافحة الفساد وبأسماء مختلفة .. هيئة ..جمعية ..مفوضية ..وزارة … لجنة ..المهم هو الدور المنوط بها …لقد اتضح ان القوانين السارية جنائية كانت ام مدنية وما يتعلق بها من إجراءات ليست كافية لمحاصرة التجاوزات والجرائم العابرة للقارات… لذلك ابتدعت هذه الأجسام الفضفاضة لملاحقة تلك التجاوزات والجرائم المستحدثة …وتستمد هذه الأجسام صلاحيتها من القوانين المنشئة لها …أي يجب أن تعمل وفق قانون ويجب أن يكون ذلك القانون مرناً حتى يستطع مواكبة المتغيّرات في عوالم الجريمة …فالمعلوم أن القوانين تكون دوماً لاحقة للنشاط الاجرامي وليست سابقة له فالأصل في الأشياء البراءة ..في السودان ليست لنا تجارب تذكر في مكافحة الفساد أو حتى تجارب في ارساء قيم الشفافية والنزاهة اللهم إلا محاولات خجولة منها لجنة حسبة انشئت أثناء حكم نميري عند محاولته تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية التي غلب عليها اسم قوانين سبتمبر ..ثم كانت هناك محاولة لتسميتها بجمعية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.. وفي الحالتين لم تقدم ما يفيد أو يغير من طبيعة الفساد السائد… ثم تلك المحاولة التي تمت في عهد الإنقاذ ولم تتجاوز مرحلة وضع القانون وإنشاء المفوضية وتوقّف أمرها عند هذا الحد ..ولعل الأشهر كانت لجنة تفكيك التمكين التي اأعقبت ثورة ديسمبر ٢٠١٩م ،والتي اصطلح على تسميتها بلجنة التمكين وهذه قد توفّرت لها الارادة السياسية ولكنها افتقدت المؤسسية وجنحت للناحية الإعلامية وأحاطت بها الدوافع السياسية لذلك قام القضاء برفض الكثير من الإجراءات التي قامت بها (القاضي ابوشعيرة ) وقد تم حلها.
(3)
أن مجانبة قيم النزاهة والشفافية في السودان لاتحتاج إلى دليل فتلك القيم بدرب وما يجري في السودان بدرب ..وهناك سلالم عالمية توضع فيها الدول على حسب درجتها في تطبيق تلك القيم وكان السودان دوماً في نهاية السلم …وظل الخط البياني للفساد في حالة ارتفاع منذ أول يوم لاستقلال السودان إلى يوم الناس هذا …أول انقلاب عسكري في السودان في ١٧ نوفمبر ١٩٥٨ برّر مجيئه بفساد الأحزاب ثورة أكتوبر تقول أنها قامت لفساد العسكر …انقلاب مايو ١٩٦٩ يقول منفذوه أن سببه فساد الأحزاب ثورة أبريل ١٩٨٥ تقول انها قامت بسبب فساد عسكر مايو ..انقلاب الإنقاذ يونيو ١٩٨٩ يقول انه بسبب فساد الأحزاب ثم ثورة ديسمبر ٢٠١٩ تقول أنها بسبب فساد الإنقاذ …أما على أيامنا هذه فقد بلغ الفساد أعلى معدلاته مستفيداً من الأجواء التي صنعتها الحرب ..ولعل في وجود الدعم السريع نفسه وما امتلكه من أموال أكبر تجلي من تجليات الفساد …عليه تصبح حاجة البلاد الي مؤسسة لمكافحة الفساد وإقامة قيم النزاهة والشفافية لا تحتاج إلى درس عصر ..
(4)
أن الترحيب بقرار إنشاء هيئة النزاهة والشفافية فرض عين على كل سوداني سودانية وكل الذي نتمناه لها أن تلبي الآمال والطموحات التي علّقت عليها …ولكن مع كل ذلك اسمحوا لي أن أبدي بعض التشاؤم إذ أن نجاح مثل هذه الهيئة يحتاج إلى إرادة سياسية قوية والإرادة السياسية تحتاج إلى نظام سياسي قوي وراكز …فهل النظام السياسي القائم الآن قوي وراكز ؟هل يستطيع الصمود أمام جماعات الفساد ومؤسساته القوية ؟ اترك الإجابة لكم.






