حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
مدني يا أجمل خبر
( 2)
نحن في شمال الجزيرة محافظة الكاملين عامة .. ومحليتي المسيد والصناعات (الباقير) خاصة …لدينا مشاعر متباينة تجاه مدني بسبب وضعنا الجيوبوليتكي …فمن ناحية جغرافية نحن أقرب للعاصمة فهي وجهتنا فيما يتعلّق بارتباط القرية بالمدينة… أما من ناحية سياسية فمدني هي عاصمتنا وكل خدماتنا التعليمية والصحية تتبع لمدني …أحياناً نشكو من تجاهل مدني لنا لأننا بعدين عن أعينها… ونطالب بالانضمام للخرطوم ..المشكلة ان الخرطوم ما شغالة بينا ….ولكن لو كانت تعلم إننا نملك القسم الشمالي والشمالي الغربي من مشروع الجزيرة لسال لعابها لنا…. ..وهذه قصة أخرى …أحياناً نشعر بعقوق تجاه مدني ونرى إننا يجب أن نتجه لها فهي عاصمتنا وفيها بركات رئاسة مشروع الجزيرة …الحرب الحالية جمعتنا بالخرطوم إذ دخلناها مع الخرطوم في يوم واحد بل قبل الخرطوم بيوم لأن لواء الباقير تم استلامه يوم ١٤ أبريل ٢٠٢٣م .. وساعتها كانت الفكرة انقلاب ..ولكن عندما سقطت مدني في في ١٨ ديسمبر ٢٠٢٣م كان أسوأ يوم في حياتنا …لقد أوجعتنا أكثر من سقوط الخرطوم ذات نفسيها ..لقد تأكّدت لنا مكانة مدني في قلوبنا..
( 2)
في ظني إن سقوط مدني أوجع كل السودانيين … وكان يوم تحريرها كأنه تحرير لكل السودان… بدليل أن مظاهرات الفرح السودانية اندلعت في عواصم عربية لا تسمح بأي تظاهر…. إذ قدرت تلك الدول عاطفة السودانيين تجاه مدني …لقد أوضح سقوط مدني في يد الدعم السريع أن هذه الحرب ليست إلا عدواناً مبرمج وممنهج على السودان ..فالحرب في الخرطوم يمكن اعتبارها صراع على السلطة… لكن ماذنب مدني المدينة الزراعية… قلب الجزيرة …وأرض المحنة التي فتحت أذرعها لكل أهل السودان الذين قدموا من الخرطوم … والتي أحبها كل من عمل بها ..أما حب أهلها لها فقد جسده فضل الله محمد في في قوله …
قل لي ياحبيبي شن أعمل وراك
هل أحلم وآمل في سرعة لقاك
ولا أسيبها مدني وأجي اسكن حداك
قل يا حبيبي أنا حيران معاك
مهما بلغت درجة محبته للحبيب إلا أنه استبعد أن يترك له مدني ..هنا نتذكر شاعرنا الرقيق الحلنقي (حبيت عشانك كسلا وخليت دياري عشانك ..) كسلا مدينة جميلة حلوة والمحبوب فيها يترك له المحب دياره … اللهم إلا اذا كان ذلك المحب من مدني .
( 3)
تحرير مدني من الدعامة هو الذي مهّد لتحرير الخرطوم…. بما بعثه من أمل وقوة في النفوس ولكن ظهر الفرق بين المدينتين في التعافي…. فمدني بعد الحرب وفي أشهر معدودة عاد لها كل أهلها… لا بل زاد عدد سكانها عما كان عليه قبل الحرب… وازدهر سوقها .. وازدحمت شوارعها بالعربات والكوارو والناس …مستشفاها الرئيسي تحديداً قسم الحوادث يقدّم خدمات علاجية ما منظور مثيلها …اختصاصيين ونواب وأطباء امتياز وطلاب طب … وتمايلت أغصان اشجارها الباسقة (طرب وسرور ) …. وضفتي النيل الأزرق الدفّاق الذي أصبح يقسمها إلى قسمين… تكسوها خضرة الأشجار والزروع ..قديما كانت مدني كوم وحنتوب كوم آخر…. أما الآن فمدني الغربية ومدني الشرقية …وجوه الناس الباسمة تنسيك حفر الشارع…. وأكل المطاعم بخياراته المتعدّدة يجعلك تتحمل أسعاره الباهظة …في تقديري أن مدني التي كانت حزينة متدهورة حتى قبل الحرب … قد عادت الان بقوة … وإذا أضفنا إليها المناقل التي تعملقت بقوتها الذاتية … والحصاحيصا المزدهرة بقوتها اللوجستية … فما على بقية مدن السودان إلا أن تمسك الخشب …إنها مدن الإنتاج الزراعي….وبعدين معاك يا مشروع الجزيرة ؟ اسمعها مني والله العظيم ….إذا لم تترك المحركة التي أنت فيها الآن فهذه المدن الناهضة …سوف تقودك من أنفك وتدشدشك …فأحسن تبادر لتقودها لتصبح أجمل مدن في أجمل مشروع زراعي …
(4)
ان زيارتي لمدني التي كانت في يوم الخميس ١٤ مايو الجاري بعد غياب طويل عنها امتد لسنوات …. قد أعادت لي توازني النفسي… وأكدت لي أن هذا السودان راجع وراجع …لقد كنت ضمن وفد من قريتنا ذهبنا نبحث استكمال خدماتنا الصحية… وخدمات الطاقة … وقد وجدنا مكاتب وقلوب المسؤلين مفتوحة لنا ولغيرنا (أربعة ضلف) … بدءا بالسيد والي الولاية الطاهر إبراهيم الخير… والسيد وزير التخطيط العمراني أبوبكر عبد الله … والسيد وزير الصحة بالانابة الدكتور عمر يوسف التاي … كل على حدة… وقد أسميت جلساتنا السريعة والمختصرة معهم لكثرة مشاغلهم … أسميتها في تصريح صحفي للغرفة الإعلامية بجلسات (المباصرة)… لم تكن هناك عرائض ولا تظلّمات.. إنما مجتمع يرجو من الدولة أن تكمله … وكل طرف يحكي على طريقة (بالحاصل بي والحاصل بيك) …والخلاصة التي خرجت بها من تلك اللقاءت المثمرة …هي اعطوا السلطة التنفيذية للتكنوقراط ……وأخيراً…
جاية من وبن يا بنية
وناوية على وين السفر
قلت لي مدني الجميلة ؟
مدني يا أجمل خبر ..






