الكشف عن استغلال للاجئات سودانيات بمخيّمات في حدود تشاد
تحقيق دولي..انتهاكات المنظمات
توثيق “59” حالة ..تحقيقات تطال الموظفين
الغذاء مقابل العلاقات الجنسية .. معاناة اللاجئين
فصل “18” موظفاً بعد ثبوت تورّطهم ..كارثة أخلاقية
مراقبون : ضعف الرقابة يفاقم مخاطر العمل الإنساني
تقرير:رحمة عبدالمنعم
أزاح تحقيق دولي الستار عن اتهامات خطيرة تتعلق بوقوع انتهاكات واستغلال جنسي في مواقع إغاثة على الحدود السودانية التشادية، وتأتي هذه الاتهامات في سياق إنساني بالغ التعقيد، حيث يعيش آلاف اللاجئين السودانيين أوضاعاً قاسية بعد فرارهم من الحرب المستمرة في بلادهم، ما يجعلهم في حالة اعتماد شبه كامل على المساعدات الإنسانية الأساسية، ويثير هذا التحقيق تساؤلات واسعة حول آليات الرقابة داخل المنظمات الإغاثية، وحدود الحماية الممنوحة للفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً النساء والقاصرات، في مناطق يفترض أن تكون ملاذاً آمناً لا ساحة للاستغلال.
تحقيق دولي
وكشفت منظمة أطباء بلا حدود، وفق تحقيق موسّع نشرته وكالة أسوشيتد برس، عن نمط واسع من الانتهاكات والاستغلال الجنسي تعرّضت له لاجئات سودانيات على طول الحدود السودانية التشادية، في سياق الحرب المستمرة في السودان التي دفعت آلاف المدنيين إلى الفرار خارج البلاد.
وبحسب التحقيق الذي بدأ في خريف عام 2024 واكتمل في يوليو الماضي، تم توثيق 59 حالة انتهاك محتملة تراوحت بين التحرش والاستغلال الجنسي، تورّط فيها موظفون محليون وأجانب يعملون في مواقع تقديم المساعدات الإنسانية، وأوضح التقرير أن هذه المعطيات دفعت المنظمة إلى فصل 18 موظفاً ومنعهم من العمل معها مستقبلاً، في إطار إجراءات تأديبية داخلية.
وأشار التحقيق إلى أن بعض حالات الاستغلال تمثلت في مقايضة الغذاء والماء وحليب الأطفال مقابل خدمات جنسية، إلى جانب ربط فرص العمل أو الاستفادة من المساعدات بقبول علاقات غير مشروعة، كما وثّق حالات استغلال لفتيات قاصرات، ما أثار مخاوف من وجود شبكات منظمة للاتجار الجنسي تستغل أوضاع النزوح والهشاشة الإنسانية.
ردود فعل
وذكر تقرير شبكة أطباء بلاحدود أيضاً أن بعض هذه الانتهاكات أدت إلى ردود فعل مجتمعية محلية، من بينها فرض قيود وحظر تجول غير رسمي لمنع الفتيات من الاقتراب من مقار الإغاثة، كما أورد حالة نقل عدد من اللاجئات بحجة تشغيلهن في مواقع المياه، قبل أن يتعرضن، وفق الشهادات، لانتهاكات في أماكن معزولة.
وأشار التحقيق إلى أن موظفات محليات من تشاد تعرضن لضغوط وتهديدات بالفصل في حال رفضن الاستجابة لممارسات غير مشروعة من قبل بعض المشرفين.
وأكدت المنظمة أن ما تم توثيقه لا يعكس سوى جزء من الواقع، في ظل تردد العديد من الضحايا في الإدلاء بشهاداتهن خوفاً من فقدان المساعدات أو الحرمان من الخدمات الطبية الأساسية، أو بسبب الجهل بآليات تقديم الشكاوى.
ضعف الرقابة
ويشير التحقيق إلى أن هذه الانتهاكات لم تكن حوادث فردية معزولة، بل وقعت في سياق بيئة إنسانية شديدة الهشاشة تتسم بضعف الرقابة وغياب آليات فعالة للحماية والمساءلة، كما أن اعتماد اللاجئين شبه الكامل على المساعدات الأساسية جعلهم في موقف ضعف كبير، الأمر الذي استغله بعض العاملين في المجال الإغاثي لتحقيق مكاسب شخصية غير مشروعة، في ظل محدودية القدرة على التبليغ أو الاعتراض من جانب الضحايا.
وأكدت مصادر ميدانية أن كثيراً من النازحين يعيشون في ظروف معيشية قاسية، تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الأمان والخصوصية، ما يزيد من صعوبة مواجهة أو الإبلاغ عن مثل هذه الانتهاكات،و أن الخوف من فقدان المساعدات أو التعرض للانتقام يظل عاملاً رئيسياً في صمت العديد من الضحايا، خاصة النساء والفتيات.
وفي ظل هذا الواقع، تتزايد الدعوات لتعزيز آليات الرقابة المستقلة داخل بيئات العمل الإنساني، وتوفير قنوات آمنة وسرية لتقديم الشكاوى، إلى جانب فرض إجراءات صارمة تضمن عدم استغلال الحاجة الإنسانية كوسيلة للابتزاز أو الانتهاك.
أزمة عميقة
واعتبر مراقبون في الشأن الإنساني وحقوق الإنسان،إن هذه الانتهاكات تعكس أزمة عميقة في منظومة الرقابة داخل بيئات العمل الإغاثي في مناطق الحرب،وأضافوا أن اعتماد اللاجئين شبه الكامل على المساعدات يخلق اختلالاً حاداً في ميزان القوة، يسمح بحدوث تجاوزات خطيرة دون الإبلاغ عنها في الوقت المناسب
وشدد مراقبون على أن تكرار مثل هذه الحوادث يفرض ضرورة تعزيز آليات الرقابة المستقلة، وتوفير قنوات آمنة وسرية لتقديم الشكاوى، إلى جانب حماية فعلية للضحايا والشهود، مؤكدين أن فقدان الثقة في العمل الإنساني قد تكون كلفته أكبر من حجم الانتهاكات نفسها.
ويأتي هذا التحقيق في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من تدهور الأوضاع الإنسانية في مناطق النزوح على حدود السودان، وسط نقص حاد في الغذاء والمياه والخدمات الطبية، ما يجعل اللاجئين، وخاصة النساء والأطفال، في مواجهة مخاطر مركّبة تتجاوز آثار الحرب المباشرة.






