طالبوا بالاستمرار في العمل بنظام المجموعات حتى نهاية العام
مستوردو النفط والمركزي..مطالب وسيناريوهات
رفضوا تحميلهم ارتفاع سعر العملات.. تصاعد الأزمة
توفير السلعة استراتيجية.. عبء في ظروف استثنائية
تقليص عدد المستوردين. تركيز السوق بأيدي شركات
تقرير: محمد جمال قندول
لا تزال تداعيات قرار بنك السودان المركزي بإيداع 200 كيلوغراماً من الذهب للحصول على خطاب ضمان مثار جدل بين مؤيد ورافض للقرار.
وظل البترول والذهب أحد أبرز مرتكزات المشهد طيلة الأسبوع الماضي، خاصة بعد تراجع قيمة الجنيه مقابل العملات الأجنبية.
وربط مراقبون آنذاك تدهور العملة بالطلب على الدولار لشراء الوقود.
رفض
أعلنت الغرفة القومية لمستوردي المنتجات البترولية بالسودان رفضها الكامل لأي محاولات لتحميل شركات استيراد المنتجات البترولية مسؤولية الارتفاعات الأخيرة في أسعار العملات الأجنبية أو اعتبارها السبب المباشر في تراجع قيمة الجنيه السوداني.
وأرجعت الغرفة، في بيان، الزيادة الكبيرة في الطلب على العملات الحرة إلى التطورات الجيوسياسية والتوترات العسكرية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، وما صاحبها من ارتفاعات حادة في أسعار النفط العالمية وأسعار الشحن والتأمين البحري.
وطالبت الغرفة بإجابات واضحة لأسئلتها بشأن منشور بنك السودان المركزي الخاص بالضمان العيني من الذهب، موضحة أن اشتراط توفير كميات كبيرة من الذهب كضمان مسبق سيؤدي عملياً إلى تقليص عدد الشركات القادرة على الدخول في عمليات الاستيراد، ويحد من المنافسة، ويعيد السوق إلى دائرة الاحتكار التي عانى منها القطاع لسنوات طويلة.
كما طالبت الغرفة بالاستمرار في العمل بنظام المجموعات حتى نهاية العام 2026م وفق البرنامج المعتمد مسبقاً، وإجراء تقييم فني واقتصادي مستقل لتجربة المجموعات قبل اتخاذ أي قرار بإلغائها، بجانب تعليق العمل بشرط الضمان العيني لحين استكمال التشاور مع أصحاب المصلحة وتوضيح كافة الجوانب القانونية والفنية والمالية المرتبطة به، وعدم العودة إلى أي آليات أو إجراءات قد تؤدي إلى إعادة تركيز الاستيراد في أيدي عدد محدود من الشركات، وفتح حوار عاجل بين بنك السودان ووزارة الطاقة والنفط والغرفة القومية لمستوردي وموردي المنتجات البترولية للوصول إلى حلول متوازنة تحقق استقرار الإمدادات وتحافظ على المنافسة العادلة، بينما دعت إلى إشراك القطاع الخاص في صياغة السياسات والضوابط التي تؤثر بصورة مباشرة على أمن الإمدادات البترولية واستقرار الأسواق.
وكان بنك السودان المركزي قد أصدر منشوراً لتنظيم عمليات استيراد الوقود، واشترط على الشركات المستوردة إيداع 200 كيلوغرام من الذهب كضمان.
اشتراط
ويقول الخبير الاقتصادي أسامة محمد عبد الرحيم إن القرار الأخير الصادر عن بنك السودان المركزي بشأن اشتراط إيداع ضمان عيني قدره (200 كيلوغرام من الذهب) قبل السماح باستيراد المنتجات البترولية، وما تبعه من اعتراض رسمي من الغرفة القومية لمستوردي وموردي المنتجات البترولية، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد خلاف بين جهة تنظيمية وقطاع خاص، لأن ما جرى يكشف في جوهره عن أزمة أعمق يعيشها الاقتصاد السوداني في هذه المرحلة.
وواصل أسامة: القراءة الأولى تقول إن الدولة وصلت إلى مرحلة حرجة في إدارة ملف النقد الأجنبي. فاللجوء إلى اشتراط ضمانات عينية من الذهب يعني عملياً أن السلطات النقدية لم تعد تكتفي بالأدوات التقليدية في ضبط الطلب على العملات الأجنبية، بل بدأت تبحث عن وسائل مباشرة لاحتواء الضغط المتزايد على الدولار، خاصة مع الارتفاع المستمر في فاتورة استيراد الوقود وتراجع تدفقات النقد الأجنبي.
وأضاف: لكن القراءة الثانية تكشف أن القرار يعكس أيضاً أزمة ثقة متزايدة بين الدولة وبعض الفاعلين الاقتصاديين، فمن الواضح أن السلطات أصبحت ترى أن قطاع استيراد الوقود بات أحد المسارات الرئيسية المستنزفة لسوق العملات الحرة، بينما يرى المستوردون أنهم يتحملون عبء توفير سلعة استراتيجية في ظل ظروف استثنائية، وأن تحميلهم مسؤولية تراجع سعر العملة يمثل تشخيصاً غير دقيق للمشكلة.
وما يلفت الانتباه، حسب أسامة، أن رد الغرفة لم يذهب نحو المواجهة السياسية المباشرة، بل قدم دفاعاً اقتصادياً متماسكاً يقوم على فكرة أن أزمة النقد الأجنبي في السودان ليست ناتجة عن شركات الاستيراد، وإنما عن اختلال هيكلي أكبر يتمثل في ضعف الصادرات، وتراجع حصائل الذهب الرسمية، واتساع فجوة ميزان المدفوعات، وهي حجج يصعب تجاهلها اقتصادياً.
تساؤلات
غير أن الجانب الأكثر أهمية في القضية يتمثل في سؤال السوق نفسه. فإذا أدى شرط الضمان الذهبي إلى إخراج عدد كبير من الشركات من دائرة الاستيراد، فإن السوق قد يتجه عملياً نحو تركيز الاستيراد في أيدي عدد محدود من الشركات القادرة على توفير هذه الضمانات، وهو ما قد يعيد إنتاج نموذج الاحتكار الذي حاولت الدولة تجاوزه سابقاً عبر نظام المجموعات.
وفي المقابل، فإن استمرار الوضع السابق دون ضوابط قد يعني استمرار الضغط على سوق النقد الأجنبي في وقت تبدو فيه الدولة بحاجة ماسة إلى كل دولار يدخل البلاد.
المشكلة هنا أن الطرفين قد يكونان معاً على قدر من الصواب فبنك السودان المركزي يبحث عن حماية ما تبقى من الاستقرار النقدي، بينما يسعى القطاع الخاص إلى حماية استمرارية الإمدادات ومنع انكماش السوق.
لكن الخطر الحقيقي حسب أسامة يكمن في أن تتحول إدارة الأزمة إلى سلسلة قرارات جزئية تعالج النتائج دون الاقتراب من أصل المشكلة. فالبلاد لا تواجه اليوم أزمة شركات تستورد الوقود، بل تواجه أزمة اقتصاد ينتج نقداً أجنبياً أقل بكثير مما يستهلكه.
ولهذا فإن الحل المستدام لا يبدأ من تقييد الاستيراد وحده، وإنما من سؤال أكبر يتعلق بكيفية زيادة صادرات الذهب الرسمية، ووقف التهريب، واستعادة حصائل الصادر، وتشجيع تحويلات المغتربين، وتوسيع قاعدة الإنتاج الحقيقي.
إيداع
بالمقابل، يرى رئيس تحرير المقرن محجوب أبو القاسم أن القرار الصادر من بنك السودان المركزي بشأن اشتراط إيداع 200 كيلوغرام من الذهب قبل استيراد المنتجات البترولية حظي بترحيب واسع من قطاعات مختلفة، ويمكن النظر إليه باعتباره مؤشراً اقتصادياً أكثر من كونه إجراءً مصرفياً عادياً، فهو يكشف حجم الضغوط التي يواجهها بنك السودان المركزي في إدارة ملف النقد الأجنبي خلال مرحلة استثنائية تتسم بالحرب وتراجع الإنتاج والصادرات.
فالمغزى الأساسي للقرار، حسب أبو القاسم، يتمثل في أن المركزي يسعى إلى تقليل الطلب على الدولار وربط استيراد الوقود بضمانات حقيقية، بما يحد من المضاربات ويمنح السلطات قدرة أكبر على التحكم في استخدام النقد الأجنبي، كما أن اشتراط إيداع الذهب يعكس أهمية المعدن النفيس بوصفه أحد أهم الأصول المتاحة حالياً للدولة في ظل ضعف الاحتياطيات الأجنبية.
لكن في المقابل، فإن القرار يحمل رسالة أخرى مفادها أن الدولة تتجه نحو تشديد الرقابة على القطاعات ذات الاستهلاك المرتفع للعملات الأجنبية، وهو ما قد يفسره البعض باعتباره دليلاً على تفاقم أزمة السيولة بالنقد الأجنبي أكثر من كونه مجرد سياسة تنظيمية.
أما المتوقع من القرار فله عدة سيناريوهات؛ فإذا التزمت به الشركات الكبرى القادرة على توفير الضمانات، فقد يؤدي إلى تقليص عدد المستوردين وزيادة تركيز السوق في أيدي شركات محدودة، وقد ينعكس ذلك على المنافسة مما يرفع تكاليف الاستيراد وأسعار الوقود بصورة غير مباشرة. أما إذا واجه القرار مقاومة من القطاع الخاص، فقد تضطر السلطات إلى تعديله أو تخفيف شروطه عبر حلول وسط يمكن الاتفاق عليها من الأطراف المختلفة.
وأضاف على المدى القصير قد يساهم في تخفيف الضغط على سوق العملات الأجنبية التي ارتفعت بصورة مخيفة، لكنه لن يعالج جذور الأزمة الاقتصادية.
وأكمل: في تقديري فإن جوهر القضية لا يتعلق بالوقود أو بالمستوردين وحدهم، بل يكشف عن انتقال الاقتصاد إلى مرحلة إدارة الندرة، حيث أصبحت الدولة تحاول توزيع الموارد المحدودة من النقد الأجنبي على القطاعات الأكثر أهمية، ولذلك فإن نجاح القرار أو فشله لن يقاس فقط بمدى استقرار إمدادات الوقود، وإنما بقدرته على تحقيق توازن بين حماية سعر الصرف والحفاظ على انسياب السلع الاستراتيجية.
وفي المحصلة، يبقى التحدي الحقيقي أمام السودان هو زيادة موارده من النقد الأجنبي عبر الصادرات وتحويلات المغتربين ومحاربة تهريب الذهب، لأن أي قيود على الاستيراد ستظل حلولاً مؤقتة ما لم تُعالج فجوة الإنتاج والتصدير التي تمثّل أصل الأزمة الاقتصادية الراهنة.






