.عبد اللطيف البوني يكتب:«وجمعة ود فور..»

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

“وجمعة ود فور..”

أثناء هذه الحرب فقدنا أعلاماً كانوا (أسماء في حياتنا) ولهم بصمة كبيرة في واقعنا المعاصر… وأثروا حياتنا بالكثير المفيد… ولم نكتب عنهم كلمة لكي نوفيهم دينهم علينا..حزّ في نفسي كثيراً أنني لم اكتب حتى الآن عمن جمعتني به الظروف من هؤلاء الأعلام… وخرجت منه بانطباع خاص يمكن أن يصدح به للاخرين… ويمكن أن تكون فيه إضافة للمعرفة العامة بهم… وعلى رأس هؤلاء يأتي استاذنا البروفسور حسن أحمد إبراهيم صاحب المنهج الخاص في كتابة تاريخ السودان الحديث… وقد بدأت في كتابة ورقة علمية في هذا المنهج.. مستعرضاً بعض كتبه لكنها ستحرمني من سكب الدموع المختزنة عليه فيها… فقد كان إنساناً ودوداً حلو المعشر محباً لطلابه.. . ومن هؤلاء الدكتور عبد المطلب الفحل الإنسان النادر المثقف الموسوعي الشعبي إن شئت قل العضوي وقد كان يتجوّل بعلمه في الإذاعة والتلفزيون والصحف ناشراً المعرفة والوعي والتنوير… ومنهم أستاذ الأجيال محجوب محمد صالح والشاعر محمد المكي إبراهيم والأستاذ كمال الجزولي… والفنان حمد الريح والفنان محمد الأمين فكل هؤلاء أنعم الله علي بالجلوس إليهم جلسات خاطفة واستمتعت إليهم مباشرة فيها و اختزنت منهم ما لاينسى ويمكن حكيه للآخرين… وإن شاء الله سافعل إذا مد الله في الآجال…
قبل مدة فقدت قريتنا الحبيبة سبعة من شبابها الغر الميامين في حادث حركة أليم بمنطقة القصيم بالمملكة العربية السعودية… وقد طارت بذكر الحادث الأسافير… وكانوا من أسرة ممتدة واحدة… يعولون اسرهم الصغيرة بكدهم وجهدهم… أدخلوا القرية في أجواء من الحزن والألم… جدّدت لهم أيام احتلال الدعم السريع … وتضاعف الحزن أن يرى الأهل الفيديوهات التي تصور فلذات أكبادهم وهي تقبر بعيداً عنهم… سبحان الله في ذات اليوم الذي قُبر فيه ذلك الرهط من الشباب… قبرت القرية جمعة ود فور ذلك الغريب الذي دخل القرية صبياً… وعاش فيها عشرات السنين وتزوج فيها وأنجب البنات والبنين… ولم يغادرها يوماً حتى بعد وفاته التي كانت بسبب لدغة ثعبان عندما كان (يحش في القش) من أجل قوت أبنائه…..
لقد شق علي نعي جمعة لأنه تربطني به علاقة صداقة خاصة… عرفت منه كيف خرج من دار فور في لوري (سفنجة) قادمة للخرطوم… عملية تفريغ تلك العربة جمعته بشابين كانا يتكلما لغة الفور… (فرطن) معهما ثم اصطحباه إلى مزرعة في الجريف غرب… ليجد غفير تلك المزرعة شيخاً من دارفور… وبعد العشاء وفي ونسة قبل النوم اكتشف أن ذلك الشيخ هو والده الذي تركه طفلاً .. وبعد أسبوع من إقامته مع والده أصيب الوالد بملاريا خبيثة… توفي بعد أسبوعين من الإصابة… وبعد يومين من الوفاة جاءت عربة من اللعوتة لتفريغ شحنة قصب في المزرعة… فطلب منه صاحب العربة أن يركب معه (مساعدي)… فلم يتردد وجاء الي اللعوتة (الما منها فوتة) وكانت القَعدة إلياها..ومن حسن حظه إن الذي جاء به من نفر طيب من القرية كثيرو الإحسان… فعاش بينهم مكرماً وعاملاً مجتهدا في العربات وفي الحواشات على حسب مقتضى الحال وكان محبوباً لدي كل من عرفه من القرية و لا ينادونه إلا بجمعة ود فور..
كان جمعة مدمن سماع الراديو… وكان من المحبين للأغنية الحديثة إبراهيم عوض وعثمان حسين ووردي… كان شغوفاً ببرامج المنوعات وكنا كلما نلتقي يسامرني كثيراً في تلك المجالات.. قال لي ذات يوم يافلان (اديني تلفزيون) فاندهشت وقلت له قلت شنو؟… فكررها… يا جمعة ياخي الزول بيقول أدوني كيلة عيش… أدوني حق الملاح انت تطلب تلفزيون؟…فرد بصوته الهامس… بسيطة ياخي انت بتكون جبت ليك شاشة وخليت التلفزيون قاعد ساكت…. وتاني ما حا ترجع ليه.. فقلت له صدقت والله ويمكن يكون عشرات التلفزيونات قاعدات ساكت… خلاص طوالي تجيني باكر.. وبالفعل جاني في اليوم التالي ووجدت في المخزن أكتر من تلفزيون اخترت له الأكبر والأحسن مظهراً… فطلب شوال أو قطعة قماش ليحمله فيها لأن المسافة بعيدة نسبياً.. فجئت له بملاية وربطه فيها وحمله… وفي اليوم التالي جاء بالملاية فقلت يا جمعة ياخي أنا أديتك التلفزيون … الملاية شنو كمان… فرد بسيطة ياخي التلفزيون ما شغال لكن الملاية شغالة… ورفض رفضاً باتاً أن يأخذها.
آخر مرة قابلته بعد أن عُدنا من النزوح فبادرني بالقول طبعاً شاشاتك شالوها وأنا تلفزيوني الشلته منك قاعد شفت الدعامة ديل حريفين كيف؟ فقلت له ياريت لو كان شلت الملاية هسي كانت تكون قاعدة فالحريفين شفشفوها… فضحكنا وتونسنا قليلاً وافترقنا وما كنت أظن أنه آخر لقاء… اللهم أرحم جمعة ودفور وكل الذين ذكروا أعلاه وكل موتى الأمة وأسكنهم فسيح جناتك مع الصديقين والشهداء والصالحين وارحمنا وأغفر لنا إذا ما صرنا إلى ما صاروا إليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top