د.عبد اللطيف البوني يكتب : من داخل القاهرة (1)Ciaro from within

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

من داخل القاهرة (1)Ciaro from within

عزيزي القاريء أمضيت في القاهرة خمسة عشر شهراً كتبت فيها حوالي خمسة عشر مقالاً أوحت لي بها القاهرة إن شاء الله سوف أوافيك بها تباعاً من خلال هذا العمود وفي هذه الصحيفة الغراء كل يوم سبت ..فإلى المقال الأول .
(1)
سبق أن مررت على القاهرة عدة مرات.. وفي فترات متباعدة… وكانت كلها خاطفة … إذ لم يسبق لي أن قصدتها… ففي السبعينات كنت في رحلة طلابية قادماً من العراق.. وفي التسعينات كنت قادماً من الولايات المتحدة.. وفي العقد الأول من هذا القرن كنت قادماً من الكويت.. وكانت أقصى مدة أمكثها فيها ليلتين بين المطار ووسط المدينة… عليه اعتبر زيارتي الحالية للقاهرة والتي قاربت الآن الثلاثة أشهر هي زيارتي الأولى للقاهرة… ومنذ أن دخلتها لم أخرج منها…. ولكنني تحاومت في معظم أحيائها…. إذ أن المناسبات الاجتماعية السودانية في القاهرة من وفيات وأعراس وسمايات وزيارة مستشفيات وسلامة الوصول….. لاتقل عن تلك التي كنا نغشاها في السودان… فيخيّل إليك ان كل السودان هنا…
وكما غشيت بعض المنتديات الفنية والثقافية والفكرية السودانية… وبهذه المناسبة تحضرني طرفة الشاعر أبو آمنة حامد مع الفنان صالح الضي… إذ كانا يسكنان معاً في القاهرة في السبعينات….فجاء ابو آمنة بعد منتصف الليل فأيقظ الضي فقال الأخير للأول ياخي دة وقت ونسة خلينا ننوم… فرد أبو آمنة ياخي أنا في القاهرة بتونس مع كامل الشناوي وأحمد رامي دايراني أتونس معاك ؟… انت تقوم تشيل العود وتغني بس… لكن السودانيون اليوم جاءوا القاهرة بشناويهم وراميهم إذ شهدت ليلة شعرية في نادي الفنانين السودانيين في قلب القاهرة أحياها الشاعران الكبيران التيجاني الحاج موسى وعبد القادر الكتيابي…
(2)
مصر كانت ومازالت هي كبانية الأدب والفكر والفن في العالم العربي… ونحن في السودان الأكثر نهلاً منها وتاثراً بها في تلك المجالات… ليس بعد انتشار الوسائط الإعلامية الحديثة بل قبل ذلك بكثير… وأشار إلى ذلك المؤرخ الانجليزي ب. م. هولت في كتابة تاريخ السودان الحديث Modern History of Sudan.. حيث قال إن السودان دون سائر العرب و الأفارقة محظوظ لقربه من مصر.. لأنها مركز ضغط ثقافي عالي … رغم أن هولت كان من سدنة السياسة الانجليزية في السودان. والتي جعلت فصل البلدين هدفها الأعلى ونجحت في ذلك…
كنت أظن وليس كل الظن إثم أنني لن أجد في القاهرة ما يدهشني أو يعطيني قناعة جديدة بحُكم عوامل موضوعية وذاتية فمن حيث الموضوع وكما هو حال معظم السودانيين من جيلي فقد كنت ومازلت متابعاً لما تنتجه النخب المصرية ومن أدب وفكر وفن وسياسة أما من ناحية ذاتية فأنا قد تجاوزت الستين ووصلت ما تسمى بالحالة الملوكية Royal level وهي مايقول فيها علماء النفس إنها المرحلة التي تنعدم فيها الدهشة إذ تتساوى فيها المواقف من المفرحات والمبكيات ويقابل هذا في الدوبيت السوداني (الليل والنهار واحد على العميان واللوم والشكر واحد على السجمان)……..
(3)
منذ أن دخلت القاهرة إلى يوم الناس هذا لم أجلس أمام تلفزيون ولم استمع إلى راديو ولم اقرأ أية جريدة ورقية إذ أبحلق في شاشة الهاتف كلما وجدت إلى ذلك سبيلاً، كما هو حال الكثيرين… لكنني غشيت الكثير من مقاهي القاهرة الشعبية وتسكعت كثيراً في طرقاتها راجلاً، وتعاطيت كل وسائل المواصلات فيها من مترو الي ماكروبص الي مايكروبص إلى تاكسيهات طلب خاص… وصليت في الكثير من مساجدها بدءًا بالحسين والسيدة زينب… كلما التقي بأحد الأخوة السودانيين.. الذين حدفت بهم الحرب إلى مصر… كنت حريصاً على معرفة انطباعه عن مصر قبل مجيئة وبعد مجيئة… أصدقكم القول إني وجدت في القاهرة ما أدهشني وهز بعض قناعاتي القديمة.. وليس من رأى كمن سمع..
(4)
أجيكم من الاخر ولكن لاحقاً سأعود بكم إلى كل ماتقدم أعلاه.. فقد كنت من المحبين لعبد الناصر حباً لايضاهيه حب لزعيم سياسي آخر… والحب درجة فوق الاتباع و فوق الإعجاب… و الليحب ما يكرهش كما تقول المسلسلات والأفلام المصرية…. ولكنني أتساءل الآن وبادإلحاح… رجل في وحدوية و قومية عبد الناصر لماذا قبل باتفاقية الحكم الذاتي للسودان في ١٢ فبراير ١٩٥٣م..والتي بموجبها تخلّت مصر رسمياً عن أي شكل من أشكال الوحدة مع السودان؟ هل لأن هذا مطلب السودانيين؟ أم أن في الأمر صفقة ما؟
المعلوم أن اتفاقية الحكم الثنائي الخاصة بالسودان… الموقعة في ١٩بناير ١٨٩٩… وكذا سميت اتفاقية بطرس/كرومر…. اعتبرت مصر شريك أعلى في حكم السودان مع الإنجليز (في الورق فقط)… ولكنها عملياً جعلت الإنجليز هم حكام السودان الفعليين فالحاكم العام ترشحه بريطانيا ويصادق عليه خديوي مصر…. وهو الكل في الكل في حكم السودان لذلك اعتبرها الوطنيون المصريون.. خاصة قادة الحزب الوطني… إنها خيانة وطنية عظمى لأنها فكت الإرتباط نهائياً بين البلدين… وما عبارة إنهاء السيادة المصرية على السودان… إلا لدغدغة المشاعر السودانية… التي كانت نائمة في ذلك الوقت… وقد فطن لذلك حزب الأشقاء السوداني وفيما بعد الحزب الوطني الاتحادي… لذلك كان مصراً على الوحدة مع مصر… ولكنه انقلب على ذلك ولحق بجماعة السودان للسودانيين… وهذه قصة ثالثة
لقد جئت للقاهرة حالياً وبقلبي تمور كل مآسي وويلات الحرب التي تدور في السودان الآن… وكل الانقسامات الرأسية والأفقية في السودان… هذا في القلب…. أما العين فتقع الآن على مجتمع القاهرة المُبهر… فحاصل جمع وطرح المسافة بين القلب والعين تجعلني أقول لو أن السودان ظل كجزء من مصر حتى يوم الناس هذا… لما انفصل الجنوب عن الشمال في ٢٠١١م… ولما كانت المهدّدات القبلية والعنصرية بالحدة التي نعانيها الآن… طبعا هذه الفرضية تحتاج إلى إثبات من جانبي…. فخليكم معانا إن شاء الله… ولا تتسرّعوا في الحكم فأنا لست من دعاة تفكيك السودان… ووحدته غاية أعمل لها بكل ما أوتيت من أدوات..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top