للحقيقة لسان
رحمة عبدالمنعم
«زريبة البرعي»..الطريق إلى بارا
في صباح أمس الأربعاء، الحادي عشر من سبتمبر 2025، دخل الجيش إلى زريبة الشيخ البرعي بولاية شمال كردفان، تلك البقعة التي تتجاوز قيمتها حدود الجغرافيا إلى فضاء الروح والذاكرة،ليست مجرد قرية تبعد ستين كيلومتراً عن بارا، بل هي رمز لصوت يتلو القرآن في الخلاوي، ووجه شيبانه ينحني على المصحف، ومئات الآلاف من الأقدام التي قصدت المكان طلاباً وذاكرين، حين يستعيد الجيش أرضاً كهذه، فإنه لا يفتح جبهة جديدة فحسب، بل يستعيد معنى يضاهي المعركة نفسها.
منذ أيام قليلة، كان الجيش قد أعلن بسط سيطرته على أم دم حاج أحمد، ثم مضى ليؤمّن منطقتي الرياش وكازقيل جنوب الأبيض، واليوم، زريبة البرعي. والنتيجة أن خارطة شمال كردفان تتبدّل يوماً بعد آخر، المدن والقرى التي كانت مختطفة في يد المليشيا تعود، والطرق الاستراتيجية التي كانت مغلقة تنفتح، والعقدة التي كانت تمسك بأنفاس الأبيض وكادوقلي بدأت تخفّ.
بارا، المدينة التي تسيطر عليها مليشيا الدعم السريع، تُعدّ موقعاً استراتيجياً لأنها تتحكم في الطرق التي تقود نحو مدن أخرى في كردفان، والسيطرة عليها تفتح المجال أمام الجيش لتأمين شمال كردفان بشكل كامل، والانطلاق نحو عمق الإقليم وربما نحو دارفور لاحقًا،و اقتراب الجيش منها صار واقعاً ملموساً، وما بين زريبة الشيخ البرعي وبارا مسافة لا تُقاس بالكيلومترات وحدها، بل بمعنى التقدم نحو قلب المعادلة العسكرية في كردفان.
وليس العسكريون وحدهم من يقرأون الحدث بهذا المنظار،ثمة دلالة أخرى، أعمق وأهدأ، ظهرت في مقاطع الفيديو التي تداولها الناس على منصات التواصل الاجتماعي: وجوه المدنيين، نساء ورجالاً وأطفالاً، وهم يستقبلون الجيش بالزغاريد والتهليل. في بلد مثخن بالحرب، لا شيء يوازي مشهد الناس حين يفرحون بالتحرير،كأنهم يقولون: إن النصر ليس مجرد أرض تتحرر، بل هو عودة الطمأنينة، عودة الخيط الذي يربط القرية بالوطن الكبير.
كردفان، منذ أشهر، غدت مسرحاً للمعارك المفتوحة، غير أن الجيش لم يتعامل معها بوصفها مجرد خطوط تماس عسكرية، بل كمناطق ذات قيمة استراتيجية لا بد من حمايتها، ومن ثم الانطلاق منها، السيطرة على الرياش وكازقيل لم تكن مجرد استعادة لبلدتين، بل كانت مفتاحاً للطريق نحو الدبيبات والحمادي والدلنج، حيث يئن الناس تحت حصار طويل،واليوم، زريبة البرعي تفتح نافذة جديدة، ليس نحو بارا وحدها، بل نحو فكرة أن هذه الحرب، على قسوتها، يمكن أن تعيد رسم الخريطة لصالح الدولة لا ضدها.
في معارك كردفان، تتداخل جغرافيا الأرض بجغرافيا الروح، هناك حيث الشيخ البرعي أقام خلاويه، وحيث آلاف الحفظة يرفعون أصواتهم بالقرآن، تشتعل اليوم أصوات أخرى: أصوات الجنود وهم يقتحمون المواقع، وأصوات الناس وهم يرحبون بعودتهم،إنه توازن فريد بين البندقية والمصحف، بين الدفاع عن الأرض وصون المعنى.
والسؤال الذي يلوح في الأفق: إذا ما حُسمت معركة بارا، فهل يكون الإقليم بأسره قد تبدّل وجهه؟ ما يبدو جلياً أن السيطرة على شمال كردفان ليست نهاية الطريق، بل بداية العبور إلى كردفان الكبرى، ومن ثم فتح الباب على دارفور، ومن دارفور تبدأ المعادلة الكبرى.
بين زريبة البرعي وبارا، لا مسافة جغرافية فقط، بل مسافة رمزية بين الانكسار والقدرة على النهوض، ولعل الرسالة الأبلغ فيما يجري هناك أن الجيش لا يحرر أرضاً فحسب، بل يعيد إلى السودانيين بعض ما فقدوه: الإحساس بأن الوطن يمكن أن يعود، وأن التاريخ يمكن أن يُكتب من جديد.






