العميد الدكتور جمال الشهيد في حوار مع الكرامة:
اسقاط الفاشر أكد استعادة السيطرة الجوية للجيش ..
الانزال نقلة نوعية وتجاوز للثغرات التي كانت تحد من فاعلية الطيران..
حوار/لينا هاشم
تعطيل قدرات المليشيا وتوجيه هذه الرسائل للداخل والخارج ( …….. )
قواتنا استطاعت تحسين انظمة التشويش المضاد ..
دور الاستخبارات في نجاح العملية كبير وهذا ما يجب فعله (….)..
في مشهد عسكري يعكس عودة زمام المبادرة للقوات المسلحة السودانية، شكّلت عملية الإسقاط الجوي بالفاشر صباح أمس حدثاً بارزاً حظي باهتمام المراقبين محلياً وإقليمياً ، فنجاح القوات الجوية في تجاوز حاجز التشويش وإسقاط الهدف بدقة عالية، اعتُبر أكثر من مجرد انتصار ميداني، بل يعد تحولاً نوعياً في مسار المعركة وصورة الجيش أمام المواطنين والعالم ، وفي هذا السياق، أجرت صحيفة الكرامة حوارا موسعاً مع العميد الدكتور جمال الشهيد الخبير الاستراتيجي المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية، للوقوف على الأبعاد العملياتية، التكتيكية، النفسية، المعنوية والتقنية لهذه العملية، وما يمكن أن تحمله من انعكاسات على مجريات الصراع في السودان .
بدايةً سيادة العميد كيف تقرأون عملية الإسقاط الجوي التي تمت صباح امس بمدينة الفاشر ؟
العملية تمثل نقلة نوعية بكل المقاييس نجاح القوات الجوية في تنفيذ إسقاط عبر حاجز تشويش يعني أنها تمكنت من تجاوز ثغرة تقنية وعملياتية مؤقتة كانت تحد من فاعلية سلاح الطيران ، بعبارة أخرى، نحن أمام استعادة واضحة للسيطرة الجوية في سماء دارفور، وهذا التطور ستكون له انعكاسات مباشرة على ميزان القوى في مسرح العمليات
ما الأهمية الاستراتيجية لهذه العملية بالنسبة للقوات المسلحة ؟
أهميتها تكمن في عدة محاور
أولاً : تعزيز الثقة القتالية للقوات البرية التي تجد في الغطاء الجوي عنصر الحسم
ثانياً: تعطيل قدرات المليشيا المتمردة التي كانت تراهن على استغلال بعض الثغرات في الحرب الإلكترونية .
وثالثاً : توجيه رسالة قوية للداخل والخارج بأن القوات المسلحة السودانية قادرة على التطوير ومجاراة تحديات التكنولوجيا في ساحة المعركة .
من الناحية العملياتية، كيف تُدرَك أهمية توقيت تنفيذ عملية الإسقاط الجوي؟
التوقيت عامل محوري عملياً، نجاح مثل هذه العمليات يعتمد على عنصر المفاجأة وتكامل القوة في اللحظة المناسبة ، التنفيذ في التوقيت الصحيح يحدّ من قدرة العدو على إعادة تنظيم صفوفه أو الاستفادة من نقاط الضعف المؤقتة ، كما أن التوقيع الزمني يعكس قدرة القيادة على جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها بسرعة واتخاذ قرار حاسم في الوقت المناسب ، وهذا بدوره مؤشر على نضج منظومة القيادة والسيطرة .
على المستوى التكتيكي، ما الرسالة التي يبعثها هذا النوع من العمليات لأطراف الصراع ؟
تكتيكياً، الرسالة متعددة
أولا : أن القوات المسلحة قادرة على العمل بتنسيق عالٍ بين الأفرع المختلفة (جوياً وبرّياً واستخبارياً).
ثانياً : أن نقاط إمداد وتحرك المجموعات المتمردة لم تعد آمنة كما كانت .
ثالثاً: العملية تشكل ضغطاً تكتيكياً يجعل العدو يعيد حساباته، قد يغير خطوط تماسكه أو يلجأ لتجزء قدراته لتقليل الخسائر — وكل ذلك يصب في صالح فرض المبادرة للقوات النظامية
برأيكم – ماذا عن الجوانب النفسية والمعنوية لدى الجنود والمدنيين بعد نجاح عملية الاسقاط ؟
نجاح من هذا النوع ينعكس فورياً على الروح المعنوية بالنسبة للجنود، ويزيد الإحساس بالقدرة والكفاءة ويعزز الانضباط والالتزام بالمهمات الصعبة، بالنسبة للمواطنين يمنحهم شعوراً بالأمان والثقة في المؤسسة العسكرية كوحدة قادرة على الحماية ، هذا التأثير النفسي مهم لأنه يخلق بيئة دعم مجتمعي وسياسي تساعد على استمرار الحملة وتمكين العمليات المستقبلية .
وهل ثمة آثار نفسية يعكسها النجاح على العدو ؟
بالتأكيد؛ تحييد قدرة التمرد على الحركة والتمويل يؤدي إلى اختلال في توازن قوته، ما يولّد توتراً وقلقاً داخلياً قدة تظهر آثار انحلال في الروح القتالية لديهم، نزاعات قيادية داخلية، أو محاولات لتعويض الخسارة بعمليات متسرعة وكلها علامات ضعف يمكن استغلالها على المستوى الاستراتيجي .
من الناحية التقنية ما الذي تشير إليه قدرة تنفيذ إسقاط عبر حاجز تشويش؟
دون الدخول في تفاصيل تقنية، هذا يشير إلى أن القوات تمكنت من التعامل مع تهديدات الحرب الإلكترونية ، إما عبر تحسين أنظمة الاعتراض والتشويش المضاد، أو عبر تكامل أفضل للمعلومات الاستخباراتية والتوجيه وهو ما يدل على تقدم في جوانب الاتصالات والسيطرة والقدرة على حماية الأصول الجوية أثناء التنفيذ .
ما المخاطر التقنية التي قد تواجهها القوات بعد مثل هذا النجاح ؟
التقدم التقني لا يعني نهاية التهديدات؛ فقد يحاول الخصم تعديل تكتيكاته أو استخدام أساليب جديدة في التشويش أو التنكر لذلك من الضروري المحافظة على تحديثات مستمرة، وإجراءات استباقية لصيانة القدرات وحماية المصادر الحساسة، وتشفير قنوات الاتصال، بالإضافة إلى تدريب متواصل للطواقم على أساليب مواجهة التشويش والتهديدات الإلكترونية .
هل يمكن لهذا الإنجاز أن يغيّر قواعد الاشتباك في الميدان؟
نعم ، سيؤدي استعادة السيطرة الجوية إلى فرض قواعد اشتباك جديدة؛ إذ ستصبح التحركات المفتوحة للمتمردين مكلفة، وستتضاءل مناطق «الانفلات» التي اعتادوا على العمل فيها ، هذا يفتح المجال أمام عمليات استنزاف وتطويق أكثر فاعلية، ويتيح للقوات النظامية تنفيذ عمليات برية مدعومة جوياً بأقل مخاطر
ما دور الاستخبارات في إنجاح مثل هذه العمليات ؟
دور الاستخبارات لا يُقدَّر بثمن؛ فهي التي تزود القائد بالتصور الحقيقي عن تحركات العدو ونقاط قوته وضعفه، وتؤمن التوقيت والمعلومات اللازمة لتخطيط الهجوم ، نجاح العملية دليل على تكامل جيد بين عناصر الاستخبارات والميدان واتخاذ قرار مبني على معلومات دقيقة
هل ثمة مخاوف إنسانية أو مدنية تُراعى أثناء تنفيذ عمليات جوية من هذا النوع؟
بالطبع — المحافظة على المدنيين هي أولوية التخطيط يجب أن يتضمن تقييمات دقيقة للأثر المدني وخطط تفادي للأضرار، وإجراءات إخلاء أو تحذير إن أمكن. تأكيداً على ذلك، نجاحات مثل هذه تقاس أيضاً بقدرة القوات على تحقيق أهدافها مع أقل تكلفة بشرية ومدنية ممكنة.
كيف يمكن للقوات تحويل هذا النجاح إلى مكاسب دائمة على الأرض؟
التحويل يتطلب خطة شاملة ما بعد العملية: تأمين المناطق التي تم استهدافها، توطيد وصول الخدمات وإعادة بناء الثقة مع السكان المحليين، والاستفادة من الضغط العسكري لتعزيز عمليات القبض على قيادات ميدانية، وقطع خطوط الدعم اللوجستي. التكامل بين الجانب الأمني والإنساني والسياسي هو ما يجعل النجاح مؤسسياً ودائماً.
هل لهذا الحدث انعكاسات إقليمية أو دولية؟
على المستوى الإقليمي والدولي، نجاحات حاسمة تعيد تشكيل الانطباع عن قدرة الدولة على التحكم بالأمن الداخلي. قد يؤثر ذلك في مواقف بعض الدول من دعم أو ضغط ويجعل الجهات الإقليمية أكثر ميلاً للتعامل مع الحكومة كطرف قادر على إدارة الأزمة، لكن التأثير الحقيقي يعتمد على ما إذا استمرت هذه النجاحات وتم تحويلها إلى استقرار طويل الأمد.
ماذا تنصح القيادة بأن تكون أولوياتها الآن؟
الأولوية الآن هي الاستقرار الأمني والاستفادة الاستراتيجية: استكمال عمليات تأمين المناطق، تعزيز الاستخبارات التكتيكية، حماية خطوط الإمداد، وإطلاق جهود مرافقة لإعادة الخدمات وبناء ثقة السكان. كما أن تفعيل آليات المحاسبة على الجرائم المرتكبة، والتنسيق مع الأجهزة المدنية، سيعطي للعملية بعداً شرعياً وسياسياً مهماً.
كلمة أخيرة تود أن تصل بها إلى الجنود والمواطنين؟
إلى جنودنا — دماءكم وتضحياتكم لا تُنسى، واحرصوا على الاحتراف والانضباط لأن العمل الجاد الآن يكتب فصل النصر .
إلى المواطنين — صبركم وثقتكم ركيزة لا تقل أهمية عن القوة المسلحة؛ تعاونوا مع جهود الأمن، وكونوا داعمين للعملية الوطنية التي تهدف لإعادة الأمن والاستقرار لكل المدن والقرى السودانية.





