هناك فرق مني أبوزيد التاريخ تَقدُّمي

هناك فرق
مني أبوزيد
التاريخ تَقدُّمي

“أحياناً يكون الواجب الأول للذكي هو أن يعيد ذكر الحقائق الجلية”.. جورج أورويل..!

الحوارات الصحفية التي أجراها “محمد حسنين هيكل” مع قادة وزعماء وعلماء مثل “شاه إيران ونهرو وآينشتاين” لم تكن لقاءات عابرة بل كانت مجموعة رؤى وأفكار – مكتظة بالسرد والنقد والتحليل والفلسفة – صادرة عن شخصيات قادت شعوبها أو سادت على العالم..!

ولأن المثقف الحقيقي هو من يغادر حقل الاختصاص فقد عكس حواره مع آينشتاين ثقافة العالِم خارج إطار الأطروحات والتجارب العلمية، وأبرز أفكاره المتفردة بشأن الدول والسياسات، وهو القائل “إن الشعوب تفقد اتجاه البوصلة عندما يسلم الفرد نفسه لفكرة الدولة، وكان الدولة هي التي صنعت الإنسان وليس الإنسان هو الذي صنع الدولة”..!

لأهمية تلك الحوارات فقد جمعها في كتاب بعنوان “زيارة جديدة للتاريخ”، وذيله بالإهداء التالي “إلى هؤلاء الذين يملكون الجرأة على مراجعة المألوف والمعروف وأنفسهم”. وهي – كما ترى – عبارة فيها اتساق بين طرائق تفكير الشخصيات التي حاورها وبين الاةتميز المفترض في الفئة التي خصها بالاهداء”..!

فكرة الجرأة في مراجعة المألوف والمعروف بعد مراجعة النفس هي حال وجودية تسبق الشروع في التغيير على مستوى الأفراد قبل أن يشمل ذلك التغيير الجماعات والمجتمعات. وهذا المفهوم يتسق أيضاً مع مفهوم – المؤرخ الفرنسي الشهير – “جوستاف لوبون” عن التغيير الاجتماعي الذي يقول إنه يبدأ على مستوى الأفراد، لذلك يجب أن يكون المجتمع تابعاً للفرد..!

بحسب بعض فلاسفة التاريخ أمثال “هيجل” و”كانت” يعتمد النجاح في التغيير على نوعية عقول. المجتمعات، فهنالك عقل دائري وعقل خَطِّي. والعقل الدائري هو الذي ينطلق من نقطة تفكير بعينها لكنه لا يلبث أن يعود إليها، أي أنه يناقش نفس المشاكل المجتمعية ويعود إلى مناقشتها من جديد لأنه لا يجد لها حلولاً، فيظل يدور في ذات الدائرة المغلقة. بينما العقل الخَطِّي – أو المستقيم – هو العقل المتجاوز الذي ينطلق من المشكلة ويتطور في مراحل تفكيره فيها ثم يصل إلى الحل، وهنا – وهنا فقط – لا يعيد الزمن نفسه بل يكون التاريخ تقدمياً..!

في مجتمعنا السوداني مفاهيم خاطئة سادت قبل اندلاع هذه الحرب والحروب التي سبقتها بأزمان بعيدة، وكانت من أسباب تأجيجها إن لم تكن هي التي أشعلتها. وقد آن لهذه المفاهيم أن تصحح
في مرحلة سودان ما بعد الحرب، والتصحيح يكون بأن تقوم مجموعة أفراد بتبني مبدأ التغيير والارتقاء بوعي الجماعة وتطويره بشأن كل المسلَّمات الاجتماعية الخاطئة َالأعراف الفاسدة..!

أول وأولى تلك المفاهيم هي الاصطفائية والطبقية الاجتماعية على أساس الإثنيات وأوهام النقاء العرقي في وطن خلاسي الملامح برزخي الهوية مثل السودان. وثاني تلك المفاهيم هي الطرائق الخاطئة التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال في معضلة إدارة التنوع في بلد تسكنها مجموعة أمم تجمعها دولة..!

أما ثالثة الأثافي فهي خرافة التمييز والتهميش على أساس العنصرية أو الأيديولوجيا في حكم الدولة السودانية، بينما الحقيقة المُرَّة – العارية عن سرابل والخالية من طلاء النضالات الملونة – هي أن التهميش في حكم هذه البلاد كان ولا يزال تهميشاً سلطوياً وتمييزاً على أساس السلطة. الفئة الحاكمة. تمارس التهميش على الفئات غير الحاكمة. هذه هي الحال التي ينبغي أن يحولها التغيبر الثقافي والاجتماعي القادم إلى تاريخ لن يتكرر..!

munaabuzaid2@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top