هناك فرق مني أبوزيد تحت الضغط..!

هناك فرق
مني أبوزيد
تحت الضغط..!

*”أقسى ما تفعله الحرب، أنها تجعل النجاة فضيلة، والتعاطف جهداً يحتاج إلى شجاعة”.. الكاتبة..!*

المجتمع السوداني، الذي طالما قُدِّم بوصفه مجتمع الطيبة الفطرية والتكافل التلقائي، وجد نفسه فجأة أمام اختبار لا علاقة له بالشعارات، بل بالقدرة على الاحتمال طويل الأمد. فالطيبة في زمن الاستقرار فضيلة سهلة، لكنها في زمن الحرب عبء ثقيل..!

في البدايات، بدا المشهد مطمئناً على نحوٍ ما. معظم البيوت فُتحت، والموارد الشحيحة قُسمت، والناس تصرفوا كما لو أن المخزون الأخلاقي كافٍ لعبور العاصفة. كان هنالك اعتقاد غير معلن بأن الحرب عابرة، وأن المجتمع قادر على حماية نفسه بنفسه.
لكن الحروب حين تطول لا تحفظ عن النوايا الحسنة، بل تستهلكها ببطء..!

مع الوقت، تغير الإيقاع، ولم يعد العطاء فعلاً طبيعياً، بل قراراً يحتاج إلى تبرير داخلي. لم تعد المواساة صادقة دائماً، بل مختصرة، وأحياناً متعبة. صار الناس أقل صبراً، وأكثر توتراً، وأسرع في إطلاق الأحكام، ليس لأنهم قساة بطبيعتهم، بل لأنهم مرهقون. فالحرب لا تخلق الشر، لكنها تكشف الهشاشة الإنسانية حين تُسحب من تحتها فوائض الاحتمال..!

في ظل الندرة، تظهر الأسئلة الصعبة. من أولى بالمساعدة، وإلى أي مدى يمكننا الاحتمال، وهل التضامن التزام أخلاقي مطلق، أم قدرة نسبية تتآكل مع الجوع والخوف؟. هذه الأسئلة لا تُطرح عادة في المجتمعات المستقرة، لكنها تصبح مركزية حين يصبح البقاء نفسه مشروعاً يومياً..!

هنا يبدأ الانقسام الصامت داخل المجتمع. ليس انقساماً سياسياً أو أيديولوجياً، بل انقسام في القدرة على الاحتمال. بين من لا يزال يملك فائضاً ليكون كريماً، ومن يركِّز فقط على النجاة. بين من يتحدث من مسافة آمنة، ومن يعيش في قلب الخطر ولا يحتمل الخطاب الأخلاقي المرتفع..!

أخطر ما تفعله الحرب بالمجتمع، أنها تربك بوصلته الأخلاقية. تجعل القسوة مفهومة أحياناً، والأنانية مبرَّرة، واللا مبالاة وسيلة دفاع. نحن نغضب من تغير الناس، دون أن نتوقف طويلاً عند السؤال الأهم، كم خسروا قبل أن يتغيروا..!

ورغم كل هذا التآكل، لا ينهار المجتمع السوداني بالكامل. تظل هناك لحظات صغيرة، غير بطولية، لكنها صادقة. جار يشارك العائدين بعض ما تبقى لديه، وصديق لا يسأل كثيراً قبل أن يساعد، وشابة تخدم كبار السن من حولها بصمت. هذه الأفعال لا تعيد الصورة المثالية للمجتمع، لكنها تمنع سقوطها التام..!

ربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم هو، هل تغير المجتمع السوداني؟. بل كيف نتعامل مع هذا التغير دون إنكار أو قسوة؟. كيف نخفف أحكامنا، ونعترف بأن الناس تحت الحرب لا يظهرون في أفضل نسخهم؟. وكيف نعيد تعريف الطيبة ة، ليس بوصفها تضحيات بلا حدود، بل فهماً أعمق لإنسان مُنهك يحاول أن يظل إنساناً. هذه الحرب ستنتهي يوماً، لكن المجتمع الذي سوف يخرج من أتونها يتشكل الآن!.

munaabuzaid2@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top