هناك فرق مني أبوزيد ظاهرة حربية ..!

هناك فرق
مني أبوزيد
ظاهرة حربية ..!

*”الحروب لا تخلق رابحين بالمعنى الأخلاقي، لكنها تكشف من يستطيع أن يصعد حين تتعطل المعايير، ومن يفضل أن يظل واقفاً بعيداً عن ازدحام السلالم”.. الكاتبة..!*

في الحروب لا يتشابه الناس أمام الخسارة، ولا يقفون على المسافة نفسها من الخراب. فبينما ينشغل كثيرون بمحاولة النجاة فقط، يتعلم آخرون بسرعة كيف يحولون الفوضى إلى فرصة، والكارثة إلى مساحة صعود غير متوقعة..!

في الحروب لا تعاد توزيع الألم فحسب، بل يعاد ترتيب المجتمع من الداخل، فتكسر القواعد القديمة التي كانت تضبط الصعود الاجتماعي، وتضعف معايير الاستحقاق، ثم يُفتح المجال أمام أشكال جديدة من النفوذ لا تقوم على الكفاءة بقدر ما تقوم على القرب، والجرأة غير المحسوبة، والقدرة على التحرك داخل الفراغ..!

في هذا السياق، تظهر فئات لم تكن في الواجهة من قبل. وتعد، ليس لأنها قدمت حلولاً، بل لأنها امتلكت استعداداً أعلى للتكيف مع الانفعالات والأمزجة. تعرف متى تصمت، ومتى تتكلم، ومتى تغيّر خطابها دون شعور بالحرج..!

الحروب لا تطلب ثباتاً أخلاقياً، بل مرونة تسمح بتبديل المواقف كما تُبدّل الأقنعة. ومع تصاعد الفوضى تتحول الجرأة إلى قيمة بحد ذاتها، حتى وإن كانت بلا مضمون. يُكافأ الصوت العالي، لا الفكرة العميقة. وتُمنح المساحة لمن يقدّم إجابات سريعة، لا لمن يطرح أسئلة مقلقة. في زمن الحروب، يصبح التردد ضعفاً، بينما يُقدَّم التبسيط المخلّ بوصفه حسماً..!

الأخطر أن هذا الصعود لا يحدث بمصادمة المجتمع، بل برضاه الضمني. مجتمع منهك، يبحث عن أي مظهر للسيطرة وسط الانهيار، فيميل إلى من يبدو واثقاً، حتى لو كان هذا اليقين فارغاً. هكذا تُعاد صناعة الرموز على عجل، وتُختصر التجربة الإنسانية المعقدة في شعارات قابلة للتداول..!

الحرب لا تصنع هذه الشخصيات من العدم، لكنها تمنحها الفرصة للتمدد في المساحات الرمادية، ولتحويل الألم العام إلى رصيد خاص، وللاستفادة من غياب المساءلة، وانشغال الجميع بالخسائر الأكبر.
ومع مرور الوقت تختلط النجاة بالاستفادة، والذكاء بالدهاء. ويصبح الصعود نفسه مثار شك، ويغدو النجاح في زمن الخراب محملًا بأسئلة أخلاقية لا إجابات سهلة لها..!

السؤال الأهم ليس من صعد، بل أي مجتمع يتشكل تحت هذا النوع من الصعود. مجتمع يتعلم، دون أن ينتبه، أن القيم يمكن تعليقها في زمن الطوارئ، وأن الكارثة قد تتحول إلى سُلم، وأن بعض السلالم تُبنى، للأسف، من هشاشة الآخرين..!

munaabuzaid2@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top