حدود المنطق
إسماعيل جبريل تيسو
ذكرى محمود.. محبّة الحواتة ودهشة الوفاء
تمرّ علينا هذه الأيام الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الفنان محمود عبد العزيز، ولم أجد أفضل من كلمات إحدى أغنياته لتواسي حروفي في هذه الذكرى المتدفقة بالحزن والشجن والغربة عن الوطن.
أطياف هواي
الليلة جات
تسأل عليك
ملهوفة كيف
أجمل صور
عبر الخيال
مرسومة
في خطوط الحروف
يا وجعة الزول اليتيم
يا حسرة القلب الرهيف
يا حليلا طلات الصباح
طيّ العوينات الشفيف
الكنت قايلو فات زمان
بهذه الشذرات الغنائية التي تشبه الوجع النبيل، أستقبل ذكرى غيابك يا محمود، وكأن الأغنية نفسها تعرف الطريق إلى القلب قبل أن يعرفه القلم. ثلاثة عشر عاماً مرّت، ولم يتحول الغياب إلى نسيان، بل إلى حضور أكثر كثافة وامتداداً. ثلاثة عشر عاماً، وما زال صوتك يتكئ على وجدان السودانيين، يوقظ فيهم الحنين، ويعيد ترتيب مشاعرهم كلما ضاقت بهم البلاد واتسعت الغربة.
ليس هذا مقام نقد فني، ولا محاولة لتفكيك عبقرية “الحوت” أو تشريح تجربته الغنائية، رغم أن دواعي ذلك كثيرة ومغرية. لكن في مثل هذه الذكرى، تتقدم محبة الناس على التحليل، ويتقدم الوفاء على أي قراءة باردة. فمحمود عبد العزيز لم يكن مجرد صوت جميل أو مشروع فني ناجح، بل كان حالة إنسانية كاملة، وموقفاً، وملاذاً روحياً لجمهور وجد فيه ما لم يجده في غيره.
ساب البلد سافر بعيد
بكت الدموع ريدنا النبيل
خلاني في عمق الجرح
مع ليل طويل
عايش وحيد
حاير دليل
لكنّو روَّح يا حليل..
السابع عشر من يناير من كل عام لم يعد تاريخاً عابراً في الروزنامة، بل صار موعداً ثابتاً لتجديد العهد بين محمود وجمهوره. يومٌ تخرج فيه “الحواتة” من كل فج، خفافاً وثقالاً، لا تجمعهم لافتة سياسية ولا مصلحة آنية، بل محبة خالصة لفنان ربطهم ببعضهم كما يُربط العقد بخيط واحد. في زمن القسوة وغلاء المعيشة وضيق الأفق، يختارون أن يحتجّوا بالحب، وأن يتظاهروا بالوفاء.
محبة وريد لي الله
يا ناسي الريد
النسى لقديمو ضلّ..
غير أنّ هذه الذكرى، في عامها الثالث عشر، جاءت مثقلة بظروف استثنائية فرضتها الحرب التي عصفت بالبلاد، وأثّرت بعمق على طقوس الاحتفاء خلال عامي 2024 و2025. فقد غابت الحشود عن الشوارع، وتفرّق “الحواتة” بين نزوح ولجوء ومنافي قسرية، واضطروا أن يحيوا ذكرى رحيل معشوقهم الأبدي بقلوب موجوعة لا بأجساد ملتئمة كما اعتادوا. الحرب غيّرت شكل الاحتفال، لكنها لم تمس جوهره؛ احتفلوا به بالدعاء، وباستدعاء أغنياته في البيوت المؤقتة، وعلى وسائط التواصل، وبدمعة حرى تقول إن محمود ظل، حتى في زمن الرصاص، مساحة أمان، وذاكرة جمعية، ووطناً رمزياً لا تطاله نيران الحرب.
هكذا يغنون، وكأن محمود حاضر بينهم، يلوّح لهم بابتسامته المعهودة، فتفيض العيون، وتختلط الأشواق بالدموع، ويستعاد ذلك الدفء الإنساني الذي كان يحيط به ويمنحه كل هذا القبول. أي سر هذا الذي جعل العلاقة بين فنان وجمهوره تتجاوز حدود الطرب إلى معنى الانتماء؟ أي طاقة هذه التي أبقت ذكراه حيّة، متجددة، ومؤثرة بعد كل هذه السنوات؟.
لقد عرف المجتمع السوداني تسميات عديدة للانتماء، لكن محمود عبد العزيز صهرها جميعاً في بوتقة واحدة اسمها “الحواتة”، أيقونة اجتماعية وفنية نادرة، تجاوزت فكرة الإعجاب بفنان إلى الإسهام في رتـق النسيج الاجتماعي، وبناء مساحات مشتركة من المحبة والسلام. هنا لم تعد الأغنية غاية، بل وسيلة للتماهي الإنساني، وللتلاقي على قيم الجمال والصدق والبساطة.
محمود عبد العزيز، أدهشت الناس حيّاً وميتاً. لا يزال صوتك يهيمن على الأثير، ولا تزال سيرتك حاضرة في الإذاعات، وفي الجلسات الخاصة، وفي دعاء المحبين قبل النوم. كثيرون ما زالوا يتنفسونك فناً، ويتدفأون بك إنساناً، ويستمدون منك معنى أن يكون المرء قريباً من الناس دون ادعاء.
فارقد بسلام أيها الطيب. لقد أسعدتهم في دنياك، وها هم يحاولون ردّ الجميل وفاءً ومحبة بعد رحيلك. وإذا أحبّ الله عبداً حبّب الناس فيه.
نسأل الله لك الرحمة والمغفرة، وصدق من قال:
حظُّو طيب
والله أداه
عمرو ما
لاقاني زي ده..






