حاطب ليل
د. عبداللطيف البوني
كحلت عيني برؤيته
☐ بما أن دراستنا الجامعية كانت باللغة الإنجليزية.. كان كل اساتذتنا من الذين تلقّوا دراساتهم العليا في بلاد الانجلوساكسون …وكذلك كانت كل مراجعنا باللغة الإنجليزية… لذلك لم يكن لدينا معرفة تُذكر باساتذة العلوم السياسية في العالم العربي عامة وفي مصر خاصة …خصّصت مصر لأن لها صلة قوية وخاصة بالسودان ..فقد كانت صحفها ومجلاتها أكثر من تلك السودانية في أكشاك باعة الصحف …وكانت المكتبات التجارية مكتظة بكتب الأدباء والمفكرين المصريين كانت مسلسلاتها ملء الشاشة السودانية …ربما كان غياب مصر الوحيد في المكتبة الجامعية …تحديداً في مكتبة جامعة الخرطوم أم الجامعات السودانية لغربة اللغة هناك…أنا هنا أتكلم عن سبعينات القرن الماضي …
بعد أن أصحبنا مدرسين في الجامعات السودانية حيث أن اللغة العربية أصبحت لغة التدريس المعتمدة… وجدنا أنفسنا ملزمين بالمراجع العربية وهنا ظهر لنا العلماء المصريين ..أمثال بطرس غالي وعبد الملك عودة وغيرهم ..لقد اكتشفنا أن هناك علماً غزيراً كان مغيّباً عنا …ولكن أن تاتي متأخراً خيرا من الا تأتي نهائيا ..أنا هنا اتكلم عن مادة العلوم السياسية ….
من الأساتذة الذين أسروني بعلمهم الغزير وأفكارهم المعتدلة ولغتهم السلسة المنسابة الدكتور علي الدين هلال… فهو في تقديري نسيج وحده إذ أسّس لعلم سياسة عروبي مسلم لو جاز التعبير …هناك فرق في الاصطلاح بين المسلم والإسلامي ….اهتمامه بالنظام الإقليمي العربي وحسب علمي أنه اول القائلين به جعله مبتدعاٍ وليس مقلداً ..مع الاطلاع على مؤلفاته كنت أتابع ما ينشره في المجلات العلمية المتخصصة … والصحف السيارة تحديداً صحيفة الأهرام..لقد وجدت في إنتاجه متعة وفائدة في أثناء وجودي في القاهرة أرسل لي الأخ الدكتور محمد خليفة عضو الجمعية العربية للعلوم السياسية بطاقة دعوة فحواها أن الجمعية سوف تكرم الدكتور علي الدين هلال أحد مؤسسيها ورؤسائها السابقين.. .محمد يعلم عزوفي عن الملمات ولكنه يعلم أكثر أن مثل هذة المناسبة تستهويني …فسألت هل هو موجود شخصياً فكانت الإجابة بالايجاب …وستكون له كلمة في الحفل …تملكتني سعادة غامرة إذ أنني سوف أشاهد بأم عيني استاذاً نهلت من علمه الكثير…
وفي اليوم الموعود ذهبت لمكان المناسبة وكنت من اوائل الذين حضروا ورغم ذلك جلست في الصف الأخير …إنها ثقافة التباقص السوداناوية…وبعد قليل اكتظت القاعة بحضور نوعي مميز وانضم الي في الصف الاخير البروفسور إبراهيم محمد آدم ثم الدكتور محمد خليفة ..فشكلنا ثلاثة أجيال متعاقبة ..
أطل الدكتور علي الدين بطلعته البهية في منتهى الأناقة و(الشياكة) متكئاً على ذراع أحد الأساتذة من طلابه المنظمين للحدث… ثم تبارى المتحدثين في تعداد مناقب المحتفى ومآثره وانجازاته وفتوحاته العلمية وكان كل المتحدثين من طلابه باستثناء رئيس جمعية العلوم السياسية العربية اللبناني الجنسية والذي حضر خصيصا لهذه المناسبة ..علمت من الجلسة أن هلال كان رئيساً لجامعة القاهرة وأنه كان وزيراً …وأنه قد ترك بصمة في أي موقع تقلده فهو كالغيمة حيثما وقع نفع …
كان كل المتحدثين من الذين احتكوا بالمحتفى به احتكاكاً مباشراً كطلاب وفيما بعد زملاء ومرؤسين له… فاجمعوا على أياديه البيضاء التي سلفت.. عليهم وعلى العلم وعلى البلاد ثم اختتم الحفل الدكتور هلال بكلمة قوية رصينة وصوت شاب عشريني عبّر فيه عن شكره وامتنانه لا بل وخجله للمناسبة ولما قيل في حقه …
شعرت بأن هناك إنجازاً كبيراً لم تتطرّق إليه الاحتفالية وهو أن للدكتور على الدين هلال تلاميذ كثر غير مباشرين ….لم يراهم رؤية العين ولم يروه ولم يصحّح كراساتهم ولم يشرف على بحوثهم … واسعد بأن اكون واحداً منهم فقد نهلت من علمه الكثير … وكنت أشير لمؤلفاته في ابحاثي ولطلابي ..لقد أسهم في تكويني الأكاديمي… مثلما أسهمت في التكوين الأكاديمي لطلابي في السودان … وفي عموم القارة الافريقية …بحكم عملي في جامعة أفريقيا العالمية …
لم أصعد للمنصة لكي أبلغ استاذي كفاحاً أن له طلاب وعارفي فضل خارج مصر ..في السودان وغيره …وسوف يتواصل عطاؤه ما بقيت المؤسسات الأكاديمية ….وهكذا العلم النافع سيظل متواصلا جيل يبلغه لجيل و َسيظل أجره متواصلا فهو صدقة جارية الي يوم الدين… فاسعد يا استاذ الاساتيذ بما قدمت …لم اسمع استاذنا هذة الكلمات لأن قائمة المتحدثين كانت محددة سلفاً … لذلك نشرت ما أود قوله في هذة الصحيفة المحترمة … ليعلم الأساتذة الاجلاء أن ما يجودون به من علم لايقف أثره على الذين أمام أعينهم .. بل يمتد زماناً ومكاناً إلى حيث لا يدرون …فقط عليكم بالنشر ..كتباً ومجلات علمية وصحف سيارة كما كان يفعل الاستاذ علي الدين هلال الإنسان المثقف العضوي الإيجابي …أمد الله في أيامه ونفعنا بعلمه ..






