تضجُ بمشكلاتٍ تنظيميةٍ وخلافات وتباينات
«التحالفات السياسية».. أسئلة مشروعة
تزايدت التكتلات بالبلاد خلال السنوات الأخيرة
بعضها وُلد من رحم انشقاق وبعضها نشأ كرد فعل
خبير: غالباً ما تكون تكتيكية وقصيرة النفس
تقرير: محمد جمال قندول
على ضوء التطوّرات العسكرية وقرب نهاية التمرد الذي أضحى وشيكاً وعودة الحكومة للخرطوم وإرهاصات تشكيل مجلس تشريعي، ثمّة تساؤلات بدأت تترى عن فاعلية العمل السياسي؟ وهل ينبغي فعلياً أن تتحول الأحزاب لتحالفات؟ أم يكون العمل التنظيمي المباشر للأحزاب أكثر فاعليةً؟
دور النخب
وبرزت سياسة التحالفات السياسية بالبلاد خلال السنوات الأخيرة، ولعلّ أبرزها الداعمة للقوات المسلحة على غرار “الكتلة الديمقراطية” و”تسع”، و”الحراك الوطني”، و”تنسيقية القوى الوطنية”،غير أنّ هذه الكتل التي تضم بداخلها مجموعة من الأحزاب وحركات الكفاح المسلح لم تقدم الفاعلية المطلوبة للتأثير على المشهد السياسي، إذ تضج بمشاكل تنظيمية وخلافات وتباينات في وجهات النظر.
والأحزاب بداخلها أيضًا ليست بعيدة عن حال التحالفات، إذ تضجُ في داخلها بانشقاقاتٍ وخلافات في عادة ليست بالجديدة بالمشهد السياسي السوداني، إذ كانت الأحزاب أداةً للنخب منذ فجر الاستقلال.
ويقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي مجدي عبد العزيز إنّ المشهد التحالفي القائم اليوم في السودان هو في جوهره امتدادٌ غير محسومٍ لتفاعلات ما قبل الحرب. إذ إنّ معظم الكتل السياسية الحالية لم تنشأ استجابةً لضرورات اللحظة الوطنية بعد اندلاع الصراع، بقدر ما هي إعادة تموضع لتحالفات وانشقاقات سابقة.
ويستشهد عبد العزيز بالكتلة الديمقراطية، على سبيل المثال، تعود جذورها إلى الانقسام الشهير داخل قوى الحرية والتغيير، والذي أفرز المجلس المركزي. وبعد الحرب، أعاد المجلس المركزي تشكيل نفسه تحت مسميات مختلفة كـ”تقدم” و”صمود”، ضمن جبهة العدوان، بينما تحركت الكتلة الديمقراطية في اتجاهات أخرى، مستقطبةً قوى تقليدية ذات ثقل تاريخي، مثل الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، في مقابل واقع سياسي اتسم باختطاف لافتة حزب الأمة القومي من قوى انخرطت في تحالفات مثيرة للجدل.
وتابع مجدي: وفي موازاة ذلك، نجد القوى التي كانت تُعرف سابقاً بـ”قوى الحوار الوطني” مثل: تحالف سودان العدالة بقيادة أبو قردة، وقوى الحراك الوطني بقيادة السيسي، وحزب الأمة بقيادة د. الصادق الهادي، وبعض فصائل الاتحاديين -إضافة إلى مكونات ذات صلة باتفاق جوبا للسلام، خاصة تلك التي تحاول تمثيل أقاليم الشمال والشرق- جميعها أعادت تموضعها ضمن خريطة سياسية لم تستقر بعد.
وبحسب مجدي فإنّ القاسم المشترك بين هذه التحالفات أنها لم تنجح في تجاوز الأسباب التي أنشأتها: بعضها وُلد من رحم انشقاق، وبعضها تشكّل كرد فعل، وبعضها ظل أسير مواقفه القديمة. صحيح أن جميعها — نظرياً – يلتقي في مرحلة ما بعد الحرب عند هدف «انتصار الدولة السودانية»، لكن هذا الالتقاء لم يُترجم إلى بناء حاضنة سياسية موحدة تستطيع الدولة أن تعتمد عليها بوصفها سنداً انتقالياً جامعاً.
واعتبر مجدي بأنّ هذه التحالفات لا تزال واقعة بدرجة كبيرة تحت تأثير أفراد يتمتعون بنفوذ شخصي وحضور سياسي، يحركونها وفق حساباتهم الخاصة ، ويظهر ذلك جلياً في التباينات البينية المتكررة، وفي هشاشة العلاقات داخل الكتلة الواحدة. إذ يبدو أنّ منطق «تكبير الأكوام» — أي تعظيم الوزن التفاوضي لكل زعامة — يتقدم أحياناً على منطق المشروع الوطني الجامع. ويتجلى ذلك في السجال الدائر حول المجلس التشريعي الانتقالي ونسب التمثيل، حيث تطغى حسابات الحصص على فلسفة البناء المؤسسي.
وأضاف بأنّ الخطر الكامن في هذا المشهد أن البلاد وهي خارجة من زلزال حرب مدمرة، قد تجد نفسها أمام إعادة إنتاج لتعقيدات قديمة بثوب جديد؛ تعقيدات أساسها تغليب المكاسب الذاتية على مقتضيات المرحلة الانتقالية.
ويشير مجدي إلى أنّ ما تحتاجه البلاد اليوم ليس مجرد تحالفات ظرفية، بل توافقاً سياسياً حقيقياً يتجاوز ردود الأفعال والانقسامات التاريخية، ويتأسس على تنازلات متبادلة لصالح مشروع وطني انتقالي جامع. مشروعٌ غايته استقرار ما بعد الحرب، ورسم طريق واضح لصياغة دستور دائم، وبناء مؤسسات ديمقراطية راسخة، وصولاً إلى تداول سلمي للسلطة في إطار استراتيجية معلومة، تقودها قوى سياسية معافاة، وتحرسها مؤسسات دولة صلبة، قادرة على حماية الأمن القومي وصون مقدرات البلاد. في لحظة كهذه، لا يكون التحدي في كثرة التحالفات، بل في قدرتها على التحول من تكتلات تفاوضية إلى مشروع دولة.
هندسة انتقال
ويقرأ الكاتب الصحفي والمحلل السياسي د. إبراهيم شقلاوي المشهد السياسي ويقول إنّها أقرب إلى لوحة من الفسيفساء، قوة ميدانية متقدمة وتحقق انتصارات، وسياسة متأخرة عن إيقاعها، ومجتمع أنهكته الحرب فصار يبحث عن يقينٍ أو فلنقل مخرج آمن بأي ثمن.
عطفاً على ما سرده أعلاه، فإنّ شقلاوي يري بأنّ البلاد أمام حالة “سيولة مُقيدة” فالحركة موجودة، لكن الاتجاه غير محسوم وأضاف، ميزان القوة لا يسمح بحسم عسكري سريع لاعتبارات كثيرة، بعضها يدخل ضمن توازنات الخارج، وفي المقابل لم تنضج بعد بيئة تسوية سياسية مكتملة الشروط لذلك يمكن وصف المرحلة بأنها انتقال معلّق بين منطق الغلبة ومنطق التسوية، حيث يتقدم الأمن على السياسة في الخطاب، بينما تتراكم في العمق ضغوط تدفع – ببطء- نحو إعادة ترتيب أكبر. لذلك الأمر يحتاج إلى وعي وطني تقوده النخب أو فلنقل إلى مشروع وطني جامع.
وعن فاعلية التحالفات أم العمل السياسي الفردي فإنّ شقلاوي يعلق بأنّ الواقع يقول التحالفات هي التي تتحرّك اليوم، لا الأحزاب بمعناها الكلاسيكي ،الأحزاب التقليدية تعاني من إرهاق تنظيمي وفجوة ثقة مع الشارع السوداني، خصوصًا أن النظر لها باتت مرتبطة بأنها سبب الحرب التي تخوضها البلاد الآن بكل تأثيراتها وارتداداتها، بينما تملأ التحالفات الحالية فراغ الحركة السياسية، مستفيدة من قدرتها على المناورة السريعة والمرونة وتجاوز القيود الهيكلية.
وتابع محدّثي بأن المرونة نفسها هي نقطة ضعفها، فالتحالفات غالبًا ما تكون تكتيكية وقصيرة النفس، تفتقر إلى برنامج طويل المدى وإلى قواعد اجتماعية راسخة. وإذا أردنا الصراحة تجمعها المصالح الضيقة لا الهموم الوطنية الكبرى. لذلك فالمعادلة الأكثر استدامة ليست في إقصاء الأحزاب ولا في الارتهان للتحالفات، بل في إعادة تأهيل الأحزاب لتكون عمودًا فقريًا، مع توظيف التحالفات كأدوات مرحلية لا بدائل دائمة.
وبحسب د. إبراهيم فإنّ المفقود في تقديري ليس مبادرة هنا أو اتفاقًا هناك، بل ثلاثة عناصر مهمة وضرورية أولها مركز ثقل وطني موثوق من الحكماء قادر على المبادرة وعلى جمع المتفرقين حول حد أدنى من الأجندة الانتقالية، وكذلك سردية جامعة تعيد تعريف معنى الدولة في وعي النخب والشارع معًا، بعيدًا عن منطق الغلبة الصفرية.
أضف إليها، هندسة انتقال واقعية تربط بين الضرورة الأمنية العاجلة التي تفرض بقاء الجيش في قيادة البلاد لحفظ الأمن والانتقال، والاستحقاق المدني المؤجل الذي يستكمل بناء دولة المؤسسات، دون أن يبتلع أحدهما الآخر.
وأضاف شقلاوي في معرض الطرح بأنّ السودان لا ينقصه الفاعلون، بل ينقصه الإطار الذي ينظم طاقتهم. وبين تحالفات سريعة وأحزاب مُنهكة، تبقى اللحظة السودانية في انتظار فكرة جامعة بما يعرف بالمشروع الوطني الذي يعيد تعريف الدولة والأحزاب والأهداف والممسكات الوطنية. إذ متى ما وُلد ووُجد هذا الخيط الناظم، يمكن للاختراق أن يتحول من احتمالٍ معلق إلى مسارٍ ممكن، بالتأكيد إذا خلصت النوايا.






