أظهرت فيها القوات المسلحة مواقف أبهرت العالم حرب رمضان..صمود وبسالة الفرسان

أظهرت فيها القوات المسلحة مواقف أبهرت العالم

حرب رمضان..صمود وبسالة الفرسان

تضحيات بدأت باشتباكات المسافة صفر، وتجلَّت في التحام الجيوش

ملاحم بطولية أعادت تعريف معنى الفداء والتضحية

القيادة والمدرعات والمهندسين وبابنوسة والفاشر.. معارك الثبات

قادة وضباط برتب رفيعة وجنود بذلوا ارواحهم رخيصةً في سبيل الوطن

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو.

بشروق شمس هذا اليوم الأحد السادس والعشرين من شهر رمضان المبارك، تدخل الحرب في السودان عامها الرابع وفق التقويم الهجري، لتتجدّد معها ذاكرة الأيام الأولى التي تحوّل فيها شهر العبادة والسكينة إلى ساحة مواجهة شرسة بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع، ففي مثل هذه الأيام قبل ثلاث سنوات، شهدت العاصمة الخرطوم واحدة من أخطر اللحظات في تاريخ الدولة السودانية الحديثة، عندما اندلعت المواجهات داخل محيط القيادة العامة للقوات المسلحة في اشتباكات مباشرة من المسافة صفر، بعدما حاولت المليشيا تنفيذ مخطط خاطف يستهدف اعتقال أو اغتيال رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، تمهيداً لإعلان الاستيلاء على السلطة.

ملحمة الثلاثة والثلاثين
في الساعات الأولى لذلك اليوم المفصلي، سجّل أفراد الحراسة الخاصة لرئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، واحدةً من أندر صور البسالة العسكرية، فقد التحم “36” من ضباط وضباط صف وجنود الحراسة مع عناصر مليشيا الدعم السريع بعد أن أقدمت الأخيرة على هدم جدار منزل القائد العام داخل محيط القيادة العامة في محاولة لاقتحامه، لكن المليشيا فوجئت بكوكبة من الضباط والجنود الذين آثروا أن يجعلوا من أجسادهم متراساً للوطن، فاشتبكوا من المسافة صفر في معركة غير متكافئة، قدّموا خلالها أرواحهم وأنفسهم فداءًا لحماية القائد العام ومنع انهيار منظومة القيادة العسكرية في الساعات الأولى للحرب، ولو نجحت تلك المحاولة في اعتقال أو إغتيال القائد العام للقوات المسلحة في اليوم الأول للحرب، لكان المشهد مختلفاً تماماً، إذ كان المخطط يقوم على إحداث صدمة قيادية وإعلان السيطرة على الدولة عبر بيان سياسي وعسكري يُذاع من داخل الخرطوم، وهو ما كانت تعوّل عليه المليشيا وحلفائها لإحداث انهيار سريع في مؤسسات الدولة.
سقوط المخطط الخاطف
لقد كانت بسالة أبطال القوات المسلحة داخل القيادة العامة بمثابة الصخرة التي اصطدم بها المخطط الآثم لميليشيا آل دقلو، فأفشل أولئك الأبطال سيناريو الضربة الخاطفة التي كانت المليشيا تعوّل عليها لإحكام قبضتها على السلطة خلال ساعات، فقد ثبَّت الجيش أقدامه داخل القيادة العامة، وانهار المخطط الذي كان مُعدَّاً بعناية لإعلان السيطرة على الحكم، ويشير مراقبون إلى أن فشل هذا المخطط أصاب قيادة الميليشيا بارتباك شديد، وهو ما ظهر لاحقاً في التصريحات المتوترة لقائدها خلال مداخلته الهاتفية على إحدى القنوات الفضائية، حيث بدا واضحاً أن خطة السيطرة السريعة على الدولة قد سقطت، وهي خطة لم تكن معزولة عن دعم محاور إقليمية ودولية كانت تراهن على تغيير موازين السلطة في السودان عبر عملية عسكرية خاطفة، لكن صمود القوات المسلحة في الساعات الأولى بدّد تلك الحسابات.

حين تكلمت السماء
وفي خضم تلك اللحظات الحرجة، دخل سلاح الجو السوداني على خط المواجهة في موقف بطولي نادر، كان بطله اللواء طيار طلال علي الريح السنهوري، ففي وقت كان فيه التحليق الجوي أقرب إلى المغامرة الانتحارية بسبب كثافة المضادات الأرضية وانتشار المليشيا داخل العاصمة، لم ينتظر السنهوري أوامر القيادة، بل حدّد الموقف بنفسه واتخذ قراره بالتحليق بطائرة مقاتلة شبه معطلة، فانطلق من قاعدة وادي سيدنا الجوية يرافقه النقيب طيار محمد هرون، ونفّذ عشرات الطلعات الجوية فوق سماء مكتظة بالنيران الأرضية، دون غطاء جوي أو توجيهات مباشرة، واستهدفت إحدى الضربات الجوية البرج الرئيس لقيادة مليشيا الدعم السريع، ما أحدث ارتباكاً كبيراً في صفوفها وقطع خطوط تواصلها العملياتية، ليعيد التوازن النفسي والميداني للقوات المسلحة، ولقد أعلنت الطلعات الجوية للطيار لواء طلال أن الجيش ما يزال ممسكاً بزمام المبادرة، وأن القيادة في الحروب ليست فقط في غرف العمليات، بل في روح المبادرة حين يغيب القرار، كان طلال يومها فارساً يقاتل بفكرة الدولة، في لحظة ظن فيها العدو أن السودان قد سقط، لكن شجاعته غيّرت مسار المعركة، لتتحول بعدها المليشيا إلى استهداف المدنيين والبنى التحتية بعدما أُسقط في يدها ميدانياً.
التحام الجيوش
ومع امتداد الحرب، واستعار أوارها، كانت القوات المسلحة تلتزم مبدأ الاقتصاد في القوة و( الحفر بالإبرة) حتى حقّقت هدفها في تنفيذ عمليات الالتحامات الاستراتيجية بين وحداتها العسكرية، وهو ما مثّل نقطة تحول كبيرة في مسار العمليات، فقد نجح التحام قوات وادي سيدنا مع القوات المرتبطة بسلاح المهندسين في تحرير مباني الإذاعة والتلفزيون والمقار الحيوية المحيطة بها، الأمر الذي مهّد الطريق لتحرير كامل مدينة أم درمان، وفي تطور لاحق، التقت القوات المرابطة في أم درمان مع القوات الموجودة في الخرطوم والخرطوم بحري في عملية عسكرية عُرفت بـ(العبور الكبير)، والتي أسهمت في تحرير مناطق واسعة في شمال بحري، ثم فكِّ الحصار عن القيادة العامة للجيش، وتواصلت عمليات الالتحام حتى تمكنت قوات سلاح المدرعات من الارتباط بالقوات داخل القيادة العامة، لتبدأ بعدها مرحلة تحرير العاصمة الخرطوم بالكامل من سيطرة المليشيا.
صمود الأسوار الأخيرة
وطوال نحو عامين من القتال، سجلت القوات المسلحة السودانية واحدة من أطول معارك الصمود العسكري في تاريخها الحديث، خاصة داخل مواقع استراتيجية مثل سلاح المدرعات، والقيادة العامة، وسلاح المهندسين في الخرطوم، كما برزت نماذج بطولية أخرى في مناطق العمليات المختلفة، مثل صمود الفرقة “22” مشاة في بابنوسة، والفرقة السادسة مشاة في الفاشر، حيث واجه الجنود حصاراً طويلاً ومعارك شرسة، وقدّمت القوات المسلحة خلال هذه الحرب أرتالاً من الشهداء من مختلف الرتب العسكرية، بما في ذلك قادة وحدات وفرق عسكرية رفيعة، من بينهم قادة فرق كاللواء ياسر فضل الله قائد الفرقة “16” مشاة نيالا، اللواء ركن أيوب عبد القادر قائد الفرقة “17” مشاة سنجة الذي استشهد داخل أسوار سلاح المدرعات، واللواء ركن معاوية حمد عبد الله، قائد الفرقة “22” مشاة بابنوسة، وبرفقته اللواء عبد الماجد أحمد الحاج، ويرى خبراء عسكريون أن استشهاد قادة ميدانيين كبار يعكس طبيعة المعركة التي خاضها الجيش السوداني، حيث كان القادة في الخطوط الأمامية للقتال، وهو ما يعكس نمط قيادة قتالية مباشرة عزّز من معنويات الجنود في الميدان.

تجربة لفتت الأنظار
ومع استمرار الحرب وتعقيداتها، أصبحت تجربة القوات المسلحة السودانية في حرب الكرامة الوطنية محل اهتمام واسع في عدد من مراكز الدراسات والعلوم العسكرية حول العالم، ويرى خبراء أن الجيش السوداني واجه واحدة من أكثر الحروب تعقيداً في البيئة الحضرية، حيث تقاتل القوات النظامية داخل مدن مكتظة بالسكان ضد تشكيلات مسلحة غير تقليدية، تعتمد على السرعة والانتقال “الفزع”، كما يعتقد مراقبون أن الاتهامات التي ظلت توجه إلى القوات المسلحة في بعض المنابر الدولية جاءت في إطار محاولات سياسية وإعلامية لتحييد الجيش أو شيطنته، بما يمهّد الطريق أمام تنفيذ مخططات إقليمية ودولية تستهدف إعادة تشكيل المشهد السوداني.

خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر، فإن الصورة وبعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب، ودخولها عامها الرابع وفق التقويم الهجري، تبدو أكثر وضوحاً في قراءة مسار العمليات العسكرية، فقد أثبتت الساعات الأولى للحرب أن صمود مجموعة صغيرة من الجنود يمكن أن يغير مجرى التاريخ، كما أثبتت مبادرة طيار واحد أن قراراً شجاعاً قد يعيد التوازن إلى معركة بأكملها، وبين تضحيات الحرس الخاص، وطلعات الطيران الجريئة، وعمليات التحام الجيوش، وصمود الوحدات العسكرية في مواقعها، تشكّلت واحدة من أبرز صفحات التضحية في تاريخ السودان المعاصر، إنها حرب كشفت عن ثمن الدولة حين تتعرّض للخطر، وعن معنى أن يقاتل الجنود دفاعاً عن وطنهم… حتى آخر الرمق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top