د. عبداللطيف البوني يكتب: أستاذة مريم اتصبري

حاطب ليل

د. عبداللطيف البوني

أستاذة مريم اتصبري

ليس لدي معرفة شخصية بالاستاذة مريم الهندي الا أنني كثير الاستماع للرسائل الصوتية التي اعتادت على بثها من خلال منصات التواصل الاجتماعي ..تتفق أو تختلف معها في مضمون رسائلها الا أنها تجبرك على الاستماع إليها لما فيها من طرح موضوعي واسلوب جاذب … فهي تتحدث بلغة بسيطة معبرة تنساب في ثناياها المفردة الدارجية (دارجية وسط السودان) والمفردة الإنجليزية دون أي إقحام ..
فالعلم والموهبة والبساطة كلها تجتمع في رسائل مريم لذلك زاد تداول رسائلها بين الناس…
اخر رسالة سمعتها للأستاذة مريم كانت مكرسة لما نسب لدكتور أحمد التيجاني المنصوري وزير الثروة الحيوانية… من أنه كتب منشوراً في منصة لينكدان … يطلب فيه عملاً إضافياً لمواجهة متطلبات الحياة التي لا يفي بها مرتبه كوزير …مريم كانت ضد هذا التصرّف وبشدة ولم تترك للرجل (صفحة يرقد عليها) …الوزير من جانبه أنكر ذلك المنشور إذ قرأت تصريحاً له فحواه أن صفحته قد تهكرت…. ولكن في مقابلة مع صحيفة “الكرامة” الصادرة أمس أجرتها الأستاذة لينا هاشم قال انه قد حدثت عملية تغيير محتوى فالمنشور كان قبل تسنّمه منصب الوزير الا ان جهة مغرضة عدلته ليظهر كأنه كتب بعد أن صار وزيراً …
وبهذا يكون السيد المنصوري قد اتفق مع مريم ومع كل الذين انتقدوا المنشور بأنه كارثة وشين وقبيح ومسيئ للدولة …. هذا بغض النظر عن الشخص أو الجهة التي كانت وراءه …
انا هنا لست بصدد محتويات المنشور ولا مضمون رسالة الأستاذة مريم إنما أردت التوقف عند أمر آخر …وهو
(غلاف) رسالة مريم لو جاز التعبير ..أي مفتتح رسالتها و مختتمها ..إذ بدأت رسالتها بعد التحية بآهة وحسرة عميقة معلنة أنها فشلت في ترفيع سقطات الحكومة … وقد سعت كثيراً لتغطية (مداراة) جلائطها ولكن ظلت الحكومة دوما تخذلها بالمزيد من الأخطاء والمزيد من السقطات …لدرجة أنها أصيبت بالإرهاق…في تقديري ان هذا موقف سياسي متميّز يحدث للكثيرين نتفق أو نختلف معه إلا أنه جدير بالتوقف عنده …وتسليط الضوء عليه …فهي ليست معارضة للحكومة القائمة ولكنها لا تمنحها شيكاً على بياض… فهي تنتقدها وكما تدافع عنها … ولكن الدفاع عنها أصبح مرهقاً … فكما نقول كلما ترفعها لفوق تتخرط وتجي واقعة تاني …في تقديري أنه ينبغي على الحكومة أن تميز هذه الأصوات الشجاعة والصريحة وتستمع لها… فهي أفضل لها كثيراً من الذين يقفون إلى جانبها عمال على بطال… والحكومة لاتستمع للذين يعارضونها معارضة مطلقة..في ظني أن مثل أصوات مريم ليس لها مطامع ذاتية إنما دوافعها موضوعية وطنية…فالتأييد المطلق مثل المعارضة المطلقة فيه شبهة الذاتية… ولكن يجب عدم التعميم هنا فالوطنية يجب عدم احتكارها لأي جهة كانت فهي حق دستوري يجب ألا يحرم منها شخص (البلد دي حقت أبو منو ؟) أو كما قال ..ولكن يمكننا القول إن الغالبية لا يهمها من يحكم ولكن يهمها كيف يحكم …
فالتعلق بالحكم (ما حبابو) لانه يفضي للصراع على السلطة …و والصراع على السلطة أمر مدمر ويكفي ما نعيشه في السودان من حرب كارثية نعيشها الآن
اما في صفحة الغلاف الأخير عبرت مريم عن ضيقها الشديد وتبرمها بما يصدر من الحكومة واصفة الوضع بأنه (والله دا كلام فارغ) ووصلت الذروة إذ كانت آخر عبارة لها (أنا ذاتي خليتو الكلام) اي كما نقول خلاص قفلت معاها لمن غلبها الكلام… الحمد لله ما قالت بصريح العبارة (مرمي الله ما بترفع) … لقد جاء قولها أنا ذاتي خليتو الكلام في منتهى التلقائية وهذا نوع اللوازم الاسلوبية التي تصل من القلب إلى القلب بكل سهولة ويسر ..قفزت الي ذهني الأغنية البناتية القديمة (يا الطلبة جنيتوا ركوب البص خليتو) ولكن أين جن الطلبة من جن الحكومة فجن الحكومة يجنّن البلد كلها…
لتسمح لنا الأستاذة مريم أن نذهب بها إلى ما قاله الشاعر عبد الوهاب هلاوي في أغنية لعقد الجلاد ..(حاجة آمنة اتصبري) فنقول لها بشي من التصرّف بعد إذن الشاعر
أستاذة مريم اتصبري
عارف الوجع في الجوف شديد
عارفك كمان ما بتقدري
اتصبري ….اتصبري
لازمك كتير شان تقدري
ولازمك كتير شان تقدري …..
لعل الأمر المتفق عليه إن السوشيال ميديا كثيرة الضرر لانها سهلت نقل الإشاعات وهبوط اللغة وكثرة التدليس … وذلك لسرعة دورانها …فهى تتحرك بدون كوابح أخلاقية أو ضوابط مؤسسية… ولكن بالمقابل علينا أن نعترف بأنها سهلت نقل الحقائق وشددت المراقبة وجعلت الأصوات الصادقة والقوية تصل المتلقي دون عناء … إنها تخيف الحاكمين بتشديد الرقابة عليهم …ووسعت حرية التعبير وإن قلّلت من الحاجة لحرية التنظيم ….. كل المنجزات و التدابير البشرية تعج بالحسنات والسيئات معاً …علينا تشجيع الطيب من القول بالإسهام في نشره حتى يقضي على السي منه …ويقول أهل الاقتصاد إذا أردت أن تطرد عملة رديئة من السوق فادخل عليها عملة جيدة لكي تطردها وتحل محلها …لذلك نقول للأستاذة مريم اتكلمي ..اتكلمي
وما تخلي الكلام
ففي كلامك ثمرة ومرام
فمن كان له فضل وعى فالينشره ليبقى له صدقة جارية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top