عدة دول اتخذت قيود استثنائية لمجابهة الأزمة الاقتصادية
«الحكومة».. هل تتخذ إجراءات تقشفية؟!
إجراءات في عدد من الدول لمجابهة أزمة الوقود والكهرباء
مطالبة بفرض تدابير تقشفية واحترازية مشدّدة
خبير: إدارة الأزمة يستلزم تحرك الحكومة في مسارات محددة
تقرير: محمد جمال قندول
مع صبيحة كل يوم تتجلى تداعيات حرب الشرق الأوسط، إذ تتفاقم الأوضاع الاقتصادية ويشتد الخناق على حكومات الدول جراء إفرازات الحرب خاصة فيما يتعلق بالمشتقات البترولية.
عددٌ من الدول اتخذت إجراءات لمجابهة أزمة الطاقة والوقود الناتجة عن إغلاق مضيق جبل هرمز.
التداعيات فاقمت من معاناة السودانيين، إذ ارتفعت أسعار المشتقات البترولية وهو ما انعكس على السلع، في وقت تتمدد فيه التساؤلات عن خطة الحكومة لإيجاد حلول إسعافية، وهل تتجه لإجراءات أخرى على غرار دول أخرى.
خطوات
مصر اتخذت إجراءات مثل إغلاق المحلات والمولات وأماكن الترفيه منذ التاسعة مساءً، كما خفضت الإنارة على الطرق.
وحددت يوم الأحد العمل عن لموظفي القطاع العام. وفي الخليج، أعلنت البحرين عن تطبيق العمل عن بُعد من المنازل بنسبة 70%.
وفي قارة آسيا، اتخذت عدد من الدول خطوات لمواجهة أزمة الوقود، إذ أعلنت ماليزيا بأن موظفي القطاع العام سيعملون من منازلهم وسط أزمة الوقود.
بينما طبقت إندونيسيا كذلك العمل من المنزل للموظفين الحكوميين يوم الجمعة، فيما تم إغلاق المدارس لمدة أسبوعين في باكستان، كما حظرت الصين صادرات الوقود المكرر، وكذلك وقود الطائرات، بينما أعلنت الفلبين حالة طوارئ وطنية للطاقة، فيما أعلنت سريلانكا عن أربعة أيام فقط للعمل.
وفي السودان، رغم توفر المشتقات البترولية، إذ اعلنت وزارة الطاقة في وقت سابق بأن الموقف مطمئن، غير أن الأسعار شهدت زيادات وذلك جراء الأزمة العالمية، وهو ما دعا مراقبين إلى ضرورة أن تنتهج الحكومة حلولاً أخرى لمواجهة الأزمة بأكثر من طريقة.
مواجهة الأزمة
ويقول الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي إنّ الحرب الحالية بين إيران وأمريكا وإسرائيل جعلت العالم أمام منعطف تاريخي؛ فإما التوصل إلى تهدئة فورية تُعيد فتح ممرات الطاقة والتجارة، أو المضي قدماً نحو ركود تضخمي طويل الأمد يمحو سنوات من محاولات التعافي الاقتصادي، والسودان جزء لا يتجزأ من العالم.
ودعا فتحي الحكومة لفرض إجراءات تقشفية واحترازية مشددة في السودان نظراً لكونه متأثرًا بما يحدث الآن في الإقليم. وكذلك السودان من دول البحر الأحمر، إذ تنعكس الإجراءات الحالية في دول العالم على البلاد في محاولة لإدارة الموارد الشحيحة في ظل انكماش اقتصادي متوقع، وضغوط أمنية ناتجة عن حرب الدولة السودانية ضد التمرد.
فتحي أشار إلى أن الاقتصاد السوداني يواجه خطر اضطراب سلاسل التوريد والأسعار لاسيما وأنه يعتمد على الطرق البرية وموانئ البحر الأحمر لاستيراد السلع الأساسية من دول تصعيد إضافي قد يهدد بضعف كبير في توافر المواد الأساسية، مما قد يفاقم الأزمة الإنسانية لنازحي دارفور خاصة مع انخفاض مستويات المعيشة وتأثر القطاع الزراعي بشكل كبير جراء الأوضاع الأمنية والاقتصادية الناتجة عن الحرب ضد التمرد.
وعزا د. هيثم ارتفاع أسعار المشتقات لتداعيات الحرب على العالم، حيث وصف ذلك بالطبيعي بالنظر للأوضاع الحالية التي تمخضت عن حرب إيران وإسرائيل وأمريكا.
وأوضح د. هيثم أن أي تقشف حكومي هو اقتصاد الضرورة بمعنى قصر الإنفاق على الضرورة القصوى، لذا إذا ما اتخذت الحكومة إجراءات فهي ليست «تقشفاً» بالمعنى الحرفي إنما قرارات لترشيد الإنفاق، لاسيما وأن تزايد الضغوط على سعر الصرف، قد تدفع مؤشر التضخم إلى مسار صعودي غير متوقع، وبالتالي ينعكس على غلاء أسعار.
الطوارئ
بدوره، قال الخبير الاستراتيجي العميد د. أسامة عبد الرحيم إن تأثير الحرب ضد إيران على قطاع الطاقة في السودان لن يكون مباشرًا بقدر ما هو انعكاس لسلسلة من الاضطرابات في البيئة الإقليمية والدولية، والتي تبدأ بارتفاع أسعار النفط عالميًا نتيجة التوتر في الخليج ومضيق هرمز، وتمتد إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين في البحر الأحمر، وصولًا إلى اضطراب سلاسل الإمداد وتأخر وصول الشحنات.
أضاف أسامة بأن البلاد تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الوقود، فإن هذه العوامل مجتمعة ستنعكس سريعًا على السوق المحلي، في شكل ارتفاع أسعار، وشح في الإمدادات، وعودة ظواهر الازدحام والأزمات، مشيرا إلى أن ارتفاع أسعار الوقود يُعد في جزء كبير منه أمرًا طبيعيًا ومفهومًا ضمن المعادلة العالمية، لكنه يمكن أن يتحول إلى أزمة حقيقية عندما يتزامن مع ضعف في مواجهة الصدمة، إدارة الأزمة داخليًا، سواء على مستوى التخطيط أو التوزيع أو الرقابة.
ويرى عبد الرحيم بأن التعامل مع الوضع الراهن يتطلب من الحكومة الانتقالية من منطق رد الفعل إلى منطق إدارة الأزمة، عبر حزمة متكاملة من الإجراءات. فعلى المدى العاجل، ينبغي تأمين مخزون استراتيجي كافٍ من الوقود حتى وإن كان بتكلفة أعلى مؤقتًا، مع إنشاء غرفة عمليات مركزية لإدارة ملف الطاقة بشكل يومي، وضمان انسياب الإمدادات عبر جدولة دقيقة للاستيراد، مع إعطاء أولوية واضحة للقطاعات الحيوية كالكهرباء، والنقل، والزراعة، والخدمات الصحية.
وتابع محدّثي بأن مستوى السوق الداخلي يتطلب تشديد الرقابة على محطات الوقود لمنع المضاربة والتخزين غير المشروع، وتفعيل آليات توزيع أكثر انضباطًا قد تشمل نظم حصص أو تتبع ذكي عند الضرورة، إلى جانب مكافحة التهريب الذي يمثل أحد أكبر مصادر استنزاف الموارد، إضافة إلى إدارة موارد النقد الأجنبي بكفاءة أعلى، وتوجيه الدعم بشكل ذكي نحو الفئات والقطاعات الأكثر تأثرًا بدلًا من الدعم العام غير الفعال، مع السعي إلى ترتيبات تمويلية مرنة مع الموردين، سواء عبر الدفع الآجل أو صيغ المقايضة.
على المستوي الخارجي، فإن د. أسامة عبد الرحيم يرى بأنه من الضرورة تنويع مصادر الاستيراد الذي يمثل أولوية استراتيجية، إلى جانب بناء تفاهمات مع دول الجوار والشركاء الإقليميين لتأمين سلاسل الإمداد في حالات الطوارئ، بما يقلل من الاعتماد على مسار واحد أو مورد واحد، وعلى المدى المتوسط، فإن هذه الأزمة يجب أن تُقرأ كفرصة لإعادة هيكلة قطاع الطاقة، عبر التوسع في البدائل مثل الطاقة الشمسية والغاز، وتحسين كفاءة النقل العام لتقليل الاستهلاك، وتطوير البنية التحتية للتخزين والتوزيع.
واعتبر عبد الرحيم بأن ما يواجهه السودان ليس مجرد أزمة وقود عابرة، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة صدمة خارجية في اقتصاد هش، حيث لا يكفي تأمين الإمداد وحده، بل يجب إدارة المنظومة بأكملها من الاستيراد إلى التمويل، ومن التوزيع إلى الرقابة، وصولًا إلى بناء بدائل تقلل من الاعتماد على الخارج قدر الإمكان.






