محمد عبدالقادر يكتب :عن «أسد الجيش» أحدثكم

على كل

محمد عبدالقادر

عن “أسد الجيش” أحدثكم…

مازلت مأخوذاً بقصص الثبات الاسطوري التى سطرها أبطال القيادة العامة وأبناء الجيش، وهم محاصرون لقرابة العامين ، يعيشون تحت الرصاص يكابدون الجوع والمرض، ويواجهون قدر الموت اليومي الذى يحاصرهم من كل الجهات…
خواتيم يناير قبل الماضي زرنا القيادة العامة بعد يوم واحد على ما أذكر من فك الحصار، وصلتها برفقة وفد إعلامي من “صحيفة الكرامة”، وحرائق التدوين مشتعلة، وآثار الرصاص والدانات فى كل مكان، وغبار المعركة يمسك بتلابيب الفضاء ويعلن أن الاجواء مازالت حربية، كان أوار الحرب مازال ساخناً يموج تحت أقدام الرجال الأوفياء الذين تركوا الدنيا والأهل والولد وانقطعوا لإدارة الحرب ومواجهة مخطط الجنجويد الآثم…
كانوا يقتسمون شق التمرة وجرعة الماء ، يواجهون “800” دانة في اليوم، ويفتقرون للغذاء والدواء، خنادقهم قبورهم ، وقد رأينا “خمس مقبرات” من حولهم يوارون فيها جثث من قتلهم الرصاص وفتك بهم الجوع وعز حصولهم على الدواء وهم صابرون محتسبون يفتقرون لكل شئ إلا إيمانهم بأن النصر قادم… وجدناهم وقد اهترأت ازياؤهم، ووهنت خيوطها وهم يرتدونها لقرابة العامين..
على رأس هؤلاء الأبطال وجدنا الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين رئيس هيئة الأركان السابق، الذى ترجّل منذ أيام يتوسّط ضباطه وجنوده، رابضاً مثل الأسد فى عرين الجيش “القيادة العامة” …
عايش الرجل فترة الحصار وهو داخل معقل الجيش يقود معركة الكرامة تحت النيران والحصار، ما لان أو وهن ، لم تهتز عزيمته إدراكاً منه برمزية وجوده كقائد الجيش والمعركة..
ظللت مأخوذاً بشخصية الرجل وهو يخاطب الإعلام يومها بلسان لا يتلجلج وعزيمة لا تقهر وثقة بنصر الله وإيماناً بقضية الوطن الذى كانت أراضيه تنازع تحت اقدام الجنجويد فى كل مكان…
الفريق أول محمد عثمان الحسين لم تكن سيرته التى كتبها بمداد الصبر والبسالة تعبّر عن شخص بقدر ما كانت تقدم نموذجاً ل”حالة” تضحية “وسيرة فداء” يشبه الجيش والشعب السوداني الموسوم بالفراسة والوطنية والشجاعة.
مازلت أعيب على إعلامنا وأنا منه أننا لم نستطع أن نقدم بعض مافعله هؤلاء الرجال الى العالم، فقد أرسوا معالماً جديدة فى تاريخ الحروب والثبات، وكتبوا تاريخاً ناصعاً للشعب السوداني يضاف إلى سلسلة فتوحاته ودروسه التاريخية للبشرية والأجيال..
الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين كان وهو فى صومعة وطنيته يعبر عن إرادة السودان التى لاتقهر، ويضيف لتاريخ الجيش فصلا مختلفا من البقاء الاسطوري فى ذاكرة الفداء وسفر التضحيات…
لم التق الرجل إلا فى ذلكم اليوم ولكنني خرجت موقناً بأنه من أصدق وأشجع الرجال، ملامحه كانت تنبئ عن صلابة، واستقامة، والتفاف الجند من حوله يشير إلى كفاءة قائد استثنائي لا يهاب الموت فداءًا للأرض والتراب، علمت أنه كان يتفقّدهم تحت النيران ، لا يأكل إلا وقد أدرك أن ما وصلهم من طعام على قلته تناولوه بالتساوي، ولايشرب إلا بعد الجميع، يداوي المرضى، ويواري الشهداء، قبل أن يعود لإدارة المعركة المصيرية الصعبة فى تخومها المختلفة ونواحيها البعيدة .
الفريق الحسين سجّل تاريخاً مبهراً عنوانه التضحية والصمود ، وقد فعل كل ما يعجب السودانيين ويعزّهم ويرفع رأسهم من سمات الفراسة والشجاعة وأخلاق الرجال..
اليوم ترجّل الفارس وهي “سنة الحياة” لكن أثره سيظل باقياً وقيادته للمعركة في ظروف الحرب العصية آنذاك حتى أعاد للسودان أراض عزيزة ستمثل وجهاً مشرقاً ومشرفاً لتاريخ الجيش والجندية فى السودان، نسأل الله أن يتقبل منه ما فعل ، وندعو له بالتوفيق في مقبل حياته القادمة، ونطمئنه أنه خرج مرفوع الرأس بعد أن نجح فى اختبار الوطنية والشجاعة والفداء، وشرّف الشعب السوداني ورفع رأسه بقيادته للمعركة في أحلك الأيام، وكتب اسمه بأحرف من نور وذهب في قائمة القادة الشرفاء والمختلفين… ونتمنى التوفيق لخلفه الفريق أول ركن ياسر العطا الذى نثق في أنه جاء إلى الموقع مسلحاً بثقة الشعب في أن الجيش لا محالة منتصر..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top