اتجاه لتعزيز السيطرة وسد الفجوة ومحاربة الندرة الوقود ..ضبط الاستيراد

اتجاه لتعزيز السيطرة وسد الفجوة ومحاربة الندرة

الوقود ..ضبط الاستيراد

الطاقة تؤكد على تأمين السلعة الاستراتيجية

الوزارة تتحرّك لاحتواء الأزمة… حلول عاجلة

بين الوفرة والمخاطر… سياسات اختبار ما بعد الأزمة

خبير اقتصادي: الاعتماد على الشركات الوطنية خطوة مهمة

تقرير :رحمة عبدالمنعم

في توقيت بالغ الحساسية أعقب أزمة وقود كشفت عن تحديات عميقة في سلاسل الإمداد، تتجه الحكومة إلى إحكام قبضتها على ملف استيراد المشتقات البترولية، واضعةً هذا القطاع الحيوي في صدارة أولوياتها الاقتصادية.
وبين مساعي الدولة لضمان الوفرة واستقرار الأسعار، وتصاعد التساؤلات حول كفاءة إدارة الإمدادات وتوزيع المخاطر، يبرز ملف الوقود كأحد أهم اختبارات القدرة على إدارة الاقتصاد في ظل ظروف استثنائية، حيث لا تحتمل منظومة الإمداد أي اختلالات قد تنعكس مباشرة على حياة المواطنين ومفاصل النشاط الاقتصادي.
تأمين الامدادت
وفي أعقاب الأزمة الأخيرة التي شهدها قطاع الوقود خلال الأيام الماضية، جدّدت وزارة الطاقة تأكيدها المضي قدمًا في سياسات ضبط استيراد المشتقات البترولية، في مسعى لإحكام السيطرة على سلاسل الإمداد ومنع تكرار الاختناقات التي أثرت على حركة الاقتصاد والخدمات.
وخلال زيارة ميدانية إلى المقر الرئيسي لشركة النيل للبترول بالخرطوم امس الاحد، شدد وزير الطاقة المهندس مستشار المعتصم إبراهيم أحمد علي على أن الوقود يمثل “سلعة استراتيجية” يقوم عليها النشاط الاقتصادي بصورة شبه كلية، ما يفرض على الدولة مسؤولية مباشرة في تأمين الإمدادات وضمان استقرار الأسعار.
وأوضح الوزير أن الحكومة تعوّل على الشركات الوطنية، وعلى رأسها شركة النيل للبترول، في إدارة ملف الوقود عبر سلسلة متكاملة تشمل الاستيراد والنقل والتوزيع، مشيراً إلى أن هذا الدور يندرج ضمن التوجهات الاستراتيجية للدولة لسد الفجوة ومحاربة الندرة، وفق ضوابط تنظيمية تستهدف حماية الاقتصاد الوطني من التقلبات والاختلالات.
وأكد أن الوزارة تعمل على ضبط عمليات الاستيراد عبر لوائح محكمة، تضمن انسياب الإمدادات بالكفاءة المطلوبة، مع الالتزام بتأمين مخزون استراتيجي يغطي احتياجات البلاد، إلى جانب تحقيق التوازن بين الوفرة والسعر المناسب للمواطن.
كما أشاد الوزير بالكوادر العاملة في شركة النيل للبترول، داعياً إلى تطوير قدراتهم الفنية والإدارية بما يعزز كفاءة الأداء ويرسخ الحس الوطني في إدارة هذا القطاع الحيوي.
من جانبه، كشف المدير العام للشركة، الدكتور هشام تاج السر، عن امتلاك النيل للبترول بنية تشغيلية متقدمة تشمل مستودعات ومحطات خدمة منتشرة، مؤكدًا أن الشركة شرعت في تسريع عمليات التوزيع عبر الاستلام المباشر من مستودعات الجيلي ومدني والهودي، بما يسهم في تقليص زمن الإمداد وتحسين كفاءة التوزيع في الولايات.

سلعة استراتجية
وفي السياق، قال الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالعزيز الزبير باشا إن تصريحات وزير الطاقة، تحمل في ظاهرها رسائل طمأنة، لكنها تعكس في عمقها معادلة دقيقة بين السيطرة والمخاطر.
وأشار الزبير إلى أن توصيف الوقود كسلعة استراتيجية يُعد إقراراً ضمنياً بحجم العبء الواقع على الدولة، حيث إن أي خلل في الإمداد أو التسعير يمكن أن يتحول سريعاً إلى ضغط اقتصادي واجتماعي، وربما أمني، ما يجعل وزارة الطاقة أمام اختبار مستمر لا يحتمل التعثّر.
وأضاف الزبير لـ”الكرامة”: أن الرهان على الشركات الوطنية يمثل خطوة مفهومة لتعزيز السيادة على سلاسل الإمداد، لكنه في الوقت ذاته يطرح تحدياً يتعلق بتركيز المخاطر، إذ إن الاعتماد على كيان واحد أو عدد محدود من الكيانات قد يزيد من هشاشة النظام في حال حدوث أي تعثر تشغيلي أو مالي، خاصة في ظل بيئة تتسم بعدم الاستقرار.
وفيما يتعلّق بضبط الاستيراد عبر اللوائح، أوضح الزبير أن هذه السياسة تحمل جانبين ،فهي من جهة تعزّز الرقابة وتحد من المضاربات، لكنها قد تتحوّل من جهة أخرى إلى عائق بيروقراطي يبطئ تدفق الإمدادات إذا لم تُدار بمرونة وكفاءة، ما قد يفتح المجال أمام عودة السوق الموازية،ويلفت الزبير إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في توسيع هامش الأمان داخل منظومة الإمداد.
دور الشركات الوطنية
ويرى مراقبون أن تحركات وزارة الطاقة الأخيرة تعكس إدراكاً متزايداً لحساسية ملف الوقود في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، خاصة بعد الأزمة التي كشفت عن هشاشة بعض حلقات الإمداد.
ويشير هؤلاء إلى أن توجّه الدولة نحو ضبط الاستيراد وتعزيز دور الشركات الوطنية يمثل خطوة ضرورية لإعادة الانضباط للسوق، لكنه في الوقت ذاته يتطلب قدراً عالياً من المرونة وتوسيع قاعدة الفاعلين لتقليل مخاطر التركيز. ويؤكد المراقبون أن نجاح هذه السياسات مرهون بقدرة الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين الرقابة والانسياب، مع بناء مخزون استراتيجي كافٍ وتطوير آليات استجابة سريعة لأي طارئ، بما يمنع تكرار الاختناقات ويعزز ثقة السوق والمواطن في استقرار الإمدادات.
سيطرة مركزية
وتعكس تصريحات وزير الطاقة توجهًا واضحًا نحو تعزيز السيطرة المركزية على قطاع الوقود، كخيار تفرضه طبيعة المرحلة وتعقيداتها. غير أن نجاح هذا النهج، وفق تقديرات الخبراء، يظل مرهوناً بقدرة الدولة على موازنة هذه السيطرة مع سياسات فعالة لتوزيع المخاطر، وتفكيك نقاط الاختناق، وبناء نظام إمداد أكثر مرونة واستجابة للصدمات.
وبين مساعي الضبط الحكومي وضغوط الواقع، يبقى قطاع الوقود في قلب معادلة الاقتصاد السوداني، حيث تمثل استدامة الإمداد واستقرار الأسعار حجر الزاوية في عبور المرحلة الراهنة دون أزمات متكرّرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top