حاطب ليل
د. عبداللطيف البوني
الدولة السودانية.. «زيرو عنصرية»
( 1 )
المشروع الزراعي الضخم الذي أقامه الشيخ سليمان الراجحي بالولاية الشمالية منطقة الدبة يعتبر أضخم مشروع استثماري يشهده السودان في تاريخه الحديث… إذ تبلغ مساحته “100” الف فدان ..قلنا استثماري لأن هذه هي التسمية الرسمية فهو نشأ بموجب قانون الاستثمار السوداني الساري ..من حيث أنه مستثمر اجنبي مستوفي للشروط قدّم طلبه لحكومة السودان .. خُصّصت له قطعة أرض بسعر تشجيعي ..سمح له باستيراد كل مستلزمات المشروع باعفاء جمركي …الشاهد أن الشيخ الراجحي عكس معظم المستثمرين الذين كانوا يتلاعبون بالتسهيلات الممنوحة… اتجه مباشرة إلى الأرض وزاد كيل بعير باستخدام آخر ما وصلت اليه التقانات العالمية فازدهرت الحقول “قمحاً ووعداً وتمني” ،إذ بلغت إنتاجية الفدان من القمح “25” جوال أي أثنين طن ونص …تفوّق فدانه على كندا والولايات المتحدة .. وفوق كل هذا وذاك قرّر الشيخ الراجحي عدم أخذ جنيه واحد من عائد استثماراته في السودان إنما تذهب للتوسّع الزراعي في السودان حتى يصبح السودان سلة غذاء العالم العربي …فبالتالي يكون مشروع الراجحي مشروعاً خيرياً في ثوب استثماري …في ظني أنه أبقاه استثمارياً لحمايته (مما تعرفون) وأنا ما بفسر … جاء الشيخ الراجحي بصحبة ابنه في زيارة تفقّدية للمشروع .. رأى المسؤلون أن يجمعوه ببعض الأهالي ربما بقصد إظهار شي من الامتنان والشكر له …فانبرى له شاب واتهمه بغصب أراضيهم ووجّه له اساءات شخصية فلم يرد الشيخ عليه ….بل أمر مدير أعماله بأن تتوقف كل الأعمال في كل مشاريعه فوراً… حاول والي الشمالية اللواء الساعوري إثنائه عن القرار واتصل بالفريق البرهان رئيس مجلس السيادة ليعتذر له واتصل بالدكتور حمدوك لنفس الشي ..كل هذا قبل أن يغادر خيمة الاحتفال …كتم الشيخ غيظه وقفل راجعاً وضاعت على السودان المليارات من الدولارات.
(2)
الحرب الجارية الآن في السودان حولت فوق العشرة مليون مواطن سوداني إلى نازحين وقليل منهم لاجئين و الساقية لسه مدورة …ولعل آخرهم أهالي دارفور خاصة بعد سقوط الفاشر فاتجه معظمهم إلى الولاية الشمالية… حيث تم استقبالهم بما يليق بهم كمواطنين أبرياء كانوا معزّزين ومكرمين في أوطانهم …فطالتهم يد البغي والعدوان أصبحوا هائمين على وجوههم… وتدافع الأهالي إلى إكرامهم وسد حاجتهم العاجلة … وأقيمت لهم المعسكرات في الدبة والعفاض وغيرها … رأت حكومة الولاية الشمالية التخفيف من تكدّس المعسكرات وتوزيعهم على محليات الولاية فجاء مندوب الولاية لمحلية دلقو ليرتّب الأمر مع المسؤلين والأهالي فتم تداول الأمر …فهناك من رحّب وهناك من تحفظ ذاكراً بعض الأسباب التي يراها موضوعية ، ولكن أحدهم انبرى رافضاً الفكرة من حيث المبدأ بحجة أن الرقعة الأرضية لا تكفيهم وأنهم أنفسهم في حالة مسغبة واستخدم أحدهم الفاظاً نابية التقطت إحدى الوسائط كلام ذلك الشخص وضجّت بها الأسافير …هذه الرواية سمعتها في رسالة صوتية من شخص صادف اني أعرفه معرفة شخصية .. فإن صحّت فإنه لم يصل أي نازح من دارفور إلى دلقو ليطرد منها .إنما كان النقاش بين سلطات الولاية وأهلها.
(3)
الرابط بين القصتين أعلاه رغم التباعد الظاهري بينهما هو نظرة بعض السودانيين لحرمة ملكية الأهالي للأرض ….وعدم السماح للغريب من الاقتراب منها مهما كان العائد من ذلك الاقتراب …فهي عندهم شيء مقدّس يخص كل الأجيال السابقة والحالية واللاحقة وبالتالي لايحق لجيل واحد التصرّف فيها …ولعل هذا هو الحال في التعامل مع الأرض في كل السودان وإلا قل لي من أين أتت دارفور ودار جعل ودار مساليت ودار …ودار….؟ ولماذا صنّف الانجليز الناس في السودان حسب موقعهم من الأرض إلى نظارات وعموديات ؟
القصتان مؤسفتان دون شك ولكن لم يقل أحد إن ماحدث للشيخ الراجحي أمر عنصري وبينما حمل البعض قصة دلقو محملاً عنصرياً…فلماذا ؟
(4)
الدولة السودانية الحديثة نشأت مبراة من العنصرية فكل الدساتير التي تعاقبت على السودان تنص على المساواة بين جميع السودانيين بغض النظر عن لونهم ودينهم و..و…وأن من حق أي سوداني أن يعمل ويتنقل ويقيم في أي بقعة من بقاع السودان بما يقتضيه القانون لذلك رأينا كل مدن السودان وبدون استثناء والمشاريع الزراعية الحديثة ومناطق تعدين الذهب وبلدان الاغتراب تموج بمختلف السنح والأجناس السودانية ناهيك عن وظائف الدولة العامة من مدنية وعسكرية والمناصب الدستورية .. ولكن مع ذلك المجتمعات السودانية غير الدولة السودانية إذ تموج بالسلوكيات العنصرية والقبائلية وبالمناسبة العنصرية أقل حدة من تلك القبائلية … وهذه قصة قد نعود إليها …إن كانت الدولة تحكمها الدساتير وما تفرع عنها من قوانين فإن المجتمعات تحكمها التقاليد والأعراف ..ولكن مبادئ الدستور تعبر عن قيّم مطلقة بينما الأعراف والتقاليد نسبية اذ تتغير بالوعي والاحتكاك وبالتعليم وبتغيّر الظروف …السؤال هنا لماذا يريد البعض أخذ بعض سخائم المجتمع ليتكسّب بها في دهاليز الدولة ؟ لماذا يرمي البعض الدولة بما ليس فيها ؟ لماذا يغفل البعض بعض جماليات المجتمع وتطوّره ؟ أظن أن الموضوع محتاج للمزيد من الاقتراب …غداً إن شاء الله نواصل .






