غيبه الموت بالقاهرة ونعاه مجلسا السيادة والوزراء ..
الطيب الجد…رحيل «رجل الإصلاح»
مسيرة حافلة في القضاء والدعوة ..إرث وأثر
من كلية غردون إلى المحكمة العليا..محطات مهمة
إسهامات في الفتوى والاجتهاد..يُسر وسماحة
نداء الوطن في زمن الأزمات.. آخر مبادراته قبل الرحيل
حُزن واسع على أبرز أقطاب التصوف ورمز الحكمة
الكرامة :رحمة عبدالمنعم
في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتشتد فيه الحاجة إلى صوت الحكمة، يترجّل الرجال الكبار بصمتٍ موجع، تاركين خلفهم فراغاً لا يُملأ بسهولة. هكذا غاب الخليفة الشيخ الطيب الجد عن دنيانا، بعد رحلة امتدت لعقود، جمع فيها بين هيبة القضاء ونور الشريعة، وبين صفاء التصوف وهمّ الوطن، لم يكن مجرد عالمٍ أو قاضٍ، بل كان ضميراً حيًا في وجدان الناس، ومرجعاً في الإصلاح، وساعيًا دائماً إلى جمع الكلمة ورتق النسيج الاجتماعي، وبرحيله، يفقد السودان أحد أعمدته الراسخة، في لحظة هو أحوج ما يكون فيها إلى أمثاله.
حزن عميق
غيب الموت، أمس الأحد، بالعاصمة المصرية القاهرة، الخليفة الشيخ الطيب الشيخ أحمد الجد العباس (ود بدر)، أحد أبرز القيادات الدينية والقضائية في السودان، وذلك بمستشفى الحياة، بعد مسيرة حافلة بالعطاء في ميادين الشريعة والقضاء والدعوة والإصلاح المجتمعي، تاركًا خلفه إرثًاً كبيراً وحزناً عميقاً خيّم على الأوساط الدينية والمجتمعية.
ويُعد الراحل أحد أعمدة أسرة ود بدر، حيث تولى الخلافة عقب إجماع الأسرة في العام 2002، خلفًا للخليفة عثمان عمر بدر، مواصلاً بذلك إرثاً صوفياً عريقاً، ظل حاضرًاً في وجدان المجتمع السوداني عبر عقود طويلة من الدعوة والإرشاد.
مسيرة علمية
وبدأ الشيخ الطيب الجد رحلته العلمية مبكراً، فالتحق بقسم الشريعة في كلية الحقوق بكلية غردون عام 1955، وتخرج في العام 1959، ليبدأ فورًا مسيرته في السلك القضائي،عُيّن مساعداً قضائياً،وتدرج في المناصب حتى بلغ قاضياً بالمحكمة العليا، متنقلًا بين عدد من المدن السودانية، من بينها الخرطوم وكسلا وبورتسودان ونيالا، حيث ترك بصمات مهنية معتبرة.
وفي العام 1992، انتُدب للعمل في دولة قطر لمدة خمس سنوات، قبل أن يعود إلى السودان ويواصل عمله في القضاء حتى بلوغه سن التقاعد، محافظاً على حضوره المهني والديني المؤثر.
وفي العام 1998، صدر قرار رئاسي بتعيينه عضواً في مجمع الفقه الإسلامي، حيث تولى مسؤولية دائرة الفتوى الشرعية، وأسهم في تقديم عدد من الآراء والاجتهادات الفقهية التي عززت من مكانته العلمية.
قيادة روحية
ولم تقتصر مسيرة الراحل على القضاء والفقه، بل امتدت إلى القيادة الروحية والاجتماعية، حيث تولى خلافة الطريقة القادرية في ود بدر، وقادها بروح إصلاحية جمعت بين الأصالة والتجديد، محافظاً على إرث أجداده في “أم ضوّاً بان”، التي ظلت في عهده مركزاً لإطعام الطعام وإيواء الغرباء وطلاب العلم.
وعُرف الشيخ الطيب الجد بحكمته في فض النزاعات القبلية والأهلية، حتى صار مسيده ملاذاً للصلح ورأب الصدع بين المتخاصمين، وساعياً دائماً إلى صلة الأرحام وجمع الكلمة.
وفي العام 2022، تصدّر المشهد الوطني بإطلاقه مؤتمر “المائدة المستديرة” ضمن مبادرة “نداء أهل السودان”، والذي شهد مشاركة أكثر من 120 حزباً سياسياً و40 مبادرة، إلى جانب شيوخ التصوف وزعماء القبائل وقادة المجتمع والشباب والنساء والمهنيين.
وأكد الراحل في كلمته خلال المؤتمر أن تلك المشاركة جاءت استجابة “لصوت وضمير الشعب السوداني المثقل بالأزمات”، مشدداً على أن الهدف هو إنقاذ الوطن من الفتن والصراعات وخطاب الكراهية، لا نصرة حزب أو تحقيق مكاسب،كما شدد على أهمية الالتفاف حول القوات المسلحة والقوات النظامية، باعتبار ذلك واجباً وطنياً لحماية وحدة البلاد في ظل التحديات والمهددات.
نعي رسمي
ونعى مجلس السيادة الانتقالي الفقيد، معتبراً رحيله خسارة كبيرة للسودان والأمة الإسلامية، حيث كرّس حياته لنشر الدعوة وتعزيز قيم التدين والتصوف والزهد، وظل مشغولًا بقضايا الناس وهموم الوطن.
وأكد المجلس أن البلاد فقدت برحيله عالماً جليلًا وقطباً من أقطاب التصوف الإسلامي، كان يمثل ركنًا أصيلًا في المجتمع السوداني.
ونعى رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس وأعضاء حكومة الأمل الخليفة الشيخ الطيب الجد، مشيدين بدوره الكبير في نشر الدعوة الإسلامية وإصلاح ذات البين وتعزيز وحدة الصف الوطني،وأكدوا أن السودان فقد برحيله عالمًا جليلًا وقائدًا حكيماً.
كما توالت بيانات النعي من السياسيين والدبلوماسيين والإعلاميين ورموز المجتمع، الذين عددوا مآثره ومناقبه، مستذكرين سيرته الممتدة لعقود من العطاء في خدمة الدين والوطن.
«رجل الإصلاح»
ووصفه الدكتور أمين حسن عمر في صفحته بموقع (الفيسبوك) بـ”رجل الإصلاح”، مشيراً إلى دوره البارز في معالجة النزاعات المجتمعية، وقيادته لمبادرات تهدف إلى جمع الصف الوطني، خاصة في ظل تعقيدات المرحلة الأخيرة.
كما عُرف الراحل بمنهجه الصوفي المعتدل، الذي ينبذ الغلو والتطرف والخرافة، ويرتكز على قيم التسامح والرفق، إلى جانب تواضعه وزهده وحرصه على قضاء حوائج الناس بنفسه، واستقبال ضيوفه وخدمتهم بيديه، رغم مكانته الرفيعة.
وبرحيل الخليفة الشيخ الطيب الجد، يفقد السودان شخصية جامعة بين العلم الشرعي والخبرة القانونية، وبين القيادة الروحية والدور الوطني، غير أن إرثه سيظل حاضراً في مؤسساته وتلاميذه ومريديه، وفي كل مبادرة إصلاح سعت لجمع الكلمة ولمّ الشمل،رحم الله الشيخ الطيب الجد، وجعل مثواه الجنة، وألهم أهله ومريديه ومحبيه الصبر والسلوان..






