د. عبداللطيف البوني يكتب: قبلية متحوِّرة

حاطب ليل

د. عبداللطيف البوني

قبلية متحوِّرة

(1)
قلنا في المقالات السابقة إن الدولة السودانية تقف ضد العنصرية في كل قوانينها…بينما المجتمع السوداني شأنه شأن كل المجتمعات في العالم به رواسب عنصرية …أما تقسيم البشرية إلى عنصرين أبيض مقابل أسود ..فهو ليس صناعة سودانية إنما عالمية .. برعت فيها أوروبا التي استثمرت فيها بتجارة الرق ..وهذة التجارة مارستها كل البشرية بما فيهم الأفارقة أنفسهم .. ذكريات هذة التجارة هي التي توقظ المرارات العنصرية …ومع تطوّر البشرية تقنياً وفكرياً اخذت العنصرية في التراجع … فالذي يجري في العالم ينطبق على السودان ..وفي مقال الأمس قلنا إن السودان ليس فيه نقاء عنصري إنما هو بلد هجين ولكن مع تلك الهجنة داخل كل مجموعة توجد اصطفافات قبلية … فالقبائلية هي مشكلة السودان اليوم وربما غدا وهي التي تحتفظ بجذوة العنصرية في المجتمع السوداني الهجين.
(2)
والقبيلة هي ضرب من ضروب الاجتماع البشري وهي تطوّر طبيعي للأسرة ثم الأسرة الممتدة …وقد مرّت بها البشرية ولكن مع تطوّر الاجتماع البشري تراجعت القبائلية لدرجة الاندثار.. في كثير من أنحاء العالم ..وحلت محلها روابط تقوم على أهلية الفرد وليس على ميلاده …
في السودان توجد القبائلية بدرجات متفاوتة ففي المدن وفي المشاريع الزراعية الحديثة قد قلت سطوتها ..فأصبح المواطن مرتبط بالدولة مباشرة في حقوقه وواجباته أما اجتماعياً أصبح مرتبط بالروابط الحديثة ..جمعية الحي أو القرية ..النادي ..فريق الكرة ..النقابة ..الحزب وكل الذي منه…أما في كثير من أطراف السودان مازالت القبيلة صاحبة القدح المعلى في الانتماء ومنها تتحدّد واجبات الفرد وحقوقه …ولعل الوزر في هذا تتحمّله الإدارة الانجليزية بسنها لقانون الإدارة الأهلية 1927 حيث أبقت على ملكية الأرض في كثير من أنحاء السودان باسم القبيلة (دار كذا) ولكن الأهم أعطت زعماء القبائل (النظار ثم العمد) سلطات إدارية و قضائية وأبقت بذلك سطوتهم ونفوذهم الذي كان ينبغي أن يتحلّل مع وجود الدولة الحديثة ..لعل المفارقة أن كثير من الإداريين الانجليز في السودان اعترضوا على قانون الإدارة الأهلية بحجة أنه ردة وخيانة للحداثة التي ينبغي على الأوروبيين نشرها في العالم المتخلف خارج أوروبا ..لقد تغلّب صوت السلطة الحاكمة وطبق قانون الإدارة الأهلية في كثير من أنحاء السودان لتخفيف العب المالي فيما سمي بالحكم غير المباشر
Indirect rule الذي كان منتشر في كل المستعمرات الانجليزية
(3)
إن قانون الإدارة الأهلية جعل القبيلة في تماس مع الدولة ولكن لو كانت الدولة قامت بواجبها التنموي الحداثوي من مشاريع حديثة ومدارس ونظام قضائي حديث لقضت على القبائلية نهائياً …ولكنها للأسف لم تفعل ومع ذلك حاولت القضاء عليها بقوانين فوقية وهذا ما فعلته حكومة مايو في أول عهدها ..إذ قررت حل الإدارة الأهلية دون تحديث البنية التحتية فحدث انفراط أمني فعادت إليها مرة أخرى فابقت على محاكم النظّار إلى جانب المحاكم الحديثة ….كل ما قامت به مايو في هذا الشأن من حل ثم إعادة كان تخبطاً وتشويهاً ادارياً …
يحكى أن النميري قبل أن يصدر قرار حل الإدارة الأهلية التقى بالناظر بابو نمر وقال له… يا الناظر أنا عاوز أحل الإدارة الأهلية …فرد عليه بالقول يا سيد الريس مما وصلت السكة حديد بابنوسة …أنا عرفت أن الإدارة الأهلية انتهت فدحين ما تطلع قرار خليها براها بتموت ..
(4)
أما موقف الأحزاب التقليدية فقد تسبّب في بقاء القبلية… فهذه الأحزاب عوضاً عن تقديم برامج توعوية …ومشاريع حديثة تنهض بالمواطن …وتجعله يعتمد على أهليته الخاصة مارست كسلاً واضحاً فاحتوت الزعماء لتكسب القواعد بدون أي مجهود ..اتبعت ذات السياسة الانجليزية (اطعم الصفوة أي النخبة لتكسب العامة)Give the elite to win the masses
اما الإنقاذ فقد قننت هذة السياسة لكي تسحب القبايل من الأحزاب التقليدية …فأنشات الإمارات وقسمت الولايات والمعتمديات على أسس قبلية… فوضعت الخمرة القديمة في قناني جديدة …فأصبحت القبايل تطالب بالوظائف الدستورية لابل طال الأمر حتى الوظائف العامة …تحولت تلك الوظائف إلى مغانم ونهب للدولة ..
معارضة الإنقاذ في مناطق سيطرة القبيلة كدارفور قامت على أسس قبلية فالحركات المسلحة وإن تسمت بأسماء حديثة فإن لحمتها وسداها قبلية …والانقاذ من جانبها لمقاومتها طوّرت الدعم السريع القبلي التكوين هو الآخر ..بعد سقوط الإنقاذ التقوا جميعاً في جوبا في 2020 ليوزعوا مناصب الدولة بينهم في المركز وفي الإقليم ..
ثم قفز حميدتي لكي يطرح دولة العطاوة … لتصل القبائلية إلى زروتها ففي الحرب الحالية لما لم يجد المواطن الدولة … بفضل عدوان أشاوس العطاوة رجع يبحث عن القبيلة لكي تعطيه الأمان… ففي منطقة مثل الجزيرة مثلاً حيث تم تجاوز القبيلة لأن علاقة المواطن أصبحت مع الدولة مباشرة من حيث الحقوق والواجبات فأصبحت القبيلة مجرد انتماء عاطفي … لقد أصبحت القرية هي الوحدة الاجتماعية لقد سمع الناس بود النورة والسريحة والهلالية دون أن يعرفوا لهم قبيلة…الآن رجع المواطن يبحث عنها فعادت في ثوب جديد …لاشك أن هذه رِدة…مؤسفة …. فهذه القبلية الجديدة ستكون مدخلا لمآلات مجهولة المصير حتى الآن …. فالحل في أن تستعيد الدولة حيويتها وتقوم بدورها بأعجل ما تيسر …إن القبائلية الجديدة ستكون القبيلة فيها مختلفة عن تلك التقليدية… القديمة أصلية أما الجديدة فهي تايوانية ….يبدو اننا “محتاجين” لحلقة رابعة لرؤية التماس بين القبائلية والعنصرية من جانب وعلاقتهما بالدولة والمجتمع من جانب آخر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top